جارى العمل فى هذه الصفحة
*********************************************************************************************************
الجزء التالى للمؤرخ العلامة جــــواد عــلى فى موضع آخر من كتاب المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام دار العلم للملايين ، بيروت ، الطبعة الثانية الجزء الثالث 1980م الفصل الثالث والسبعون - بيوت العبادة - ص 755 - 762 ( تعليق من الموقع : نقلنا هذه الصفحة بدون تغيير ولكننا وضعنا لكل فقرة عنوان )
**********************************************************************************************************
المعابد الثابتة والمعابد المتنقلة
والمعبد هو الموضع المخصص للعبادة. وقد وردت في النصوص الجاهلية وفي عربية القرآن الكريم ألفاظ تؤدي هذا المعنى، فقد كان الجاهليون قد اتخذوا معابد ثابتة ومعابد متنقلة مثل بيوت الوبر، تعبدوا بها إلى معبوداتهم قبل الإسلام وقبل الميلاد.
فقد كانت القبائل في حركة دائمة، بحثاً عن الغزو والكلا والماء. وكانت آلهتها في حركة دائمة أيضأَ، ترحل مع المتعبدين لها، وتستقر عند استقرارهم بمكان ما. وعند نزول القبيلة في موضع ما توضع الأصنام في قبتها، وهي خيمة تقوم مقام المعبد الثابت عند أهل المدر. وتكون للخيمة بسبب ذلك قدسية خاصة، وللموضيع الذي تثبت عليه حرمة ما دامت الخيمة فوقه، وقد كانت معابدالقبائل المتنقلة كلها في الأصل على هذا الطراز. ولم يكن من السهل على أهل الوبر تغيير طراز هذا المعبد، واتخاذ معبد ثابت، لخروج ذلك على سنن الآباء والأجداد. ولذلك لم يرض العبرانيون عن المعبد الثابت الذي أقامه سليمان، لما فيه من نبذ للخيمة المقدسة التي كانت المعبد القديم لهم وهم في حالة تنقل من مكان الى مكان. ثم ان أهل الوبر قوم رحل، ولا يمكن لمن هذا حاله اتخاذ معبد ثابت له، لما كان عليه من وجوب نقل أصنامه معه حيث يذهب.
سدنة بيوت الأصنام
ولبيوت الأصنام سدنة، يحفظون الأصنام بها، ويرعونها، وينقلونها معهم حيث ترحل القبيلة، فإذا نزلت نزلوا بها، ليقيموا لها الواجبات الدينية المفروضة في الخيمة المقدسة. حيث فرضت طبيعة البداوة على أصحابها هذا النوع من أنواع البيوت المقدسة، وهذه الطقوس الدينية التي تلائم حياة الأعراب.
وبيوت العبادة عند الجاهليين ثلاثة أنواع: بيوت عبادة خاصة بالمشركين عبدة الأصنام، وهم الكثرة الغالبة، وبيوت عبادة خاصة باليهود، وبيوت عبادة خاصة بالنصارى. أما بيوت عبادة المجوس، فقد عرفت في العربية الشرقية وفي العربية الجنوبية، ولكن عباّدها هم من المجوس، أي العجم،فالمجوسية لم تنتشر بين العرب، ولم تدخل بينهم إلا بين عدد قليل من الناس.
العبادة العامة والعبادة الخاصة
وما ذكرته عن بيوت العبادة، خاص بالمعابد العامة، وهناك مواضع عبادة خاصة، جعلت في البيوت، وضع أصحابها أصنامهم في ركن من أركانها، وتقربوا اليها. روي ان العباس، كان قد أقام الصنمين أسافاً ونائلة في ركن داره، وكانا حجرين عظيمين. واحتفظ غيرة بأصنام في بيوتهم للتبرك بها، ولحماية البيت، وكانوا اذا سافروا حملوا أصنامهم الصغيرة معهم للاحتماء بها، وأخذ بعض شباب المدينة ما وجدوه من أصنام في البيوت، تعبد لها آباؤهم فحطمها، ومنهم من رماها في مواضع العذرة والقاذورات.
وقد استطعنا اليوم بفضل جهود السياح والمنقبين والباحثين من الحصول على بعض المعلومات عن معابد جاهلية كانت عامرة يوماً ما. وذللث بعثور المذكورين على ألواح مكتوبة وجدت في خرائب تلك المعابد. ولكن ما عثرعليه، لاصلة له بالدين في الغالب، فليس فيه أدعية أو صلوات أو كتابات تفصح عن عقائد القوم وعن أمور دينهم. ولهذا فإن علمنا بديانات الجاهليين لا يزال ضحلاً، لم يتقدم تقدما مرضياً، وأملنا الوحيد في زيادته هو في المستقبل، فلعله يخرج من صناديق سره المكتومة ما يفصح عن عقائد القوم.
بيوت الصنام هى بيوت الله
وقد اتخذ بعض العرب، وهم المتمكنون، بيوتاً وكعبات لعبادة أصنامهم، وضعوا أصنامهم في أجوافها، ومنهم من اتخذ صنماً، فلم يبن عليه بناءً، لعدم استطاعته ذلك. ومن لم يقدر عليه، ولا على بناء بيت، نصب حجراً أمام الحرم، وامام غيره، مما استحسن، ثم طاف به كطوافه بالبيت، وسمّوها ا لأنصاب.
وذكر أن "وكيع بن سلمة بن زهير الإيادي"، كان قد اتخذ له صرحاً بالحزورة، سوق كانت بمكة، يرتقيه بسلالم يتعبد فيه، فعرف بصاحب الصرح. والبيت، مأوى الإنسان ومسكنه في الأصل، ثم تجوز الناس فأطلقوا اللفظة على المعبد، باعتبار أنه بيت الآلهة أو الإلهَ، لاعتقادهم أن الالهة تحل به. وقد كانوا يضعون الصنم أو الأصنام فيه. ويقال للبيت عندئذ "بيت الله" أو "بيت ريام" وهو بيت يذكر "ابن الكلبي" أنه كان لحمير بصنعاء، وأن الناس كانوا يعظمونه ويتقربون عنده بالذبائح، أو "بيت الربة" وما شاكل ذلك، بحسب اختصاص البيت بالصنم.
كذلك أطلقت كلمة "بيت " بمعنى معبد في نصوص المسند،فورد: "وقدسو بيت مرب"، أي "وقدسوا بيت مأرب" أو "وبيت مأرب المقدس". فلفظة بيت هي اللفظة التي استعملت لمواضع العبادة، أي المعبد، أطلقت قبل اسم الإلهَ أو الموضع لتدل على التخصيص. وهي ترد في لغات سامية أخرى في هذا المعنى نفسه.
الكعبة هى البيت المربع
وأما "الكعبة" فالبيت المربع، وكل بيت مربع كعبة عند العرب. وقد خصصت في الإسلام بالبيت الحرام بمكة. والكعبة الغرفة أيضاً. وقد كان لربيعة بيت يطوفون به، يسمونه الكعبات، وقيل: ذو الكعبات، وقد ذكره الأسود ا ابن يعفر في شعره، فقال: والبيتِ ذي الكعبات من سنداد
والمسجد كل موضع يتعبد فيه. وقد استعملها الجاهليون بهذا المعنى أيضاً.
المسجد
وقد وردت اللفظة في نصوص بني إرم وفي النصوص النبطية والصفوية. ورد على هذه الصورة "مسجدا" في نصوص بني إرم. وورد على هذه الصورة في النصوص الصفوية أيضاً، وقد عنت به معبداً.
وقد عبر عن المعبد بلفظة "مكربن"، أي "المكرب" أو "المكراب" في بعض نصوص المسند ؛ إذ ورد "مكربن يعق"، بمعنى "معبد يعوق". ومن هذا الأصل أخذت كلمة "مكراب" في الحبشة، ومعناها "معبد". ولهذا ذهب "كلاسر" وغيره الى ان "مكربة" Mocoraba المدينة المذكورة في "جغرافيا" "بطلميوس" هي " مكة"، لأنها "مقربة" الى الأصنام، فهي بمعنى "البيت" و "الكعبة" في لهجتنا.
وتقابل كلمة "المعبد" كلمة Templum اللاتينية التي تعني موضعاً مربعاً، فهي بمعنى "الكعبة"، و "كعبة" في اللغة العربية. ويلاحظ توافق تام بين معنى الكلمتين في هاتين اللغتينْ. ولا بد ان يكون لاتخاذ هذا الشكل للمعبد سبب، إذ لا يعقل ان يكون قد جاء ذلك عفواً، ولا سيما اننا نلاحظ ان الكلمتين: اللاتينية والعربية، قد جاءتا من شكل البناء ونوعه وطرازه.
بيوت الأصنام جاءت من كلمة البد أو البت
وذكر علماء اللغة ان في جملة الالفاظ التي تطلق على بيوت الأصنام والعبادة والتصاوير، لفظة "البد". وهي تؤدي معنى "صنم" كذلك. وذكروا انها من الألفاط المعربة عن الفارسية، عربت من "بت"، وانها تعني البيت اذا كان فيه أصنام وتصاوير.
وذكروا أن في جملة الألفاط التي أطلقت على بيوت الأصنام لفظة "الطاغوت" والجمع "الطواغيت". ورد أن العرب " كانت قد اتخذت مع الكعبة طواغيت، وهي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة، لها سدنة وحجاب، وتهدي اليها، كما تهدي إلى الكعبة، وتطوف بها كطوافها بها، وتنحر، عندها، وهي تعرف فضل الكعبة عليها، لأنها كانت قد عرفت أنها بيت ابراهيم الخليل ومسجده".
الطاغوت
وورد أن "الطاغوت".الصنم، وكل معبود من دون الله، ولما تقدمُ سمي الساحر والكاهن والمارد من الجن والصارف عن طريق الخير طاغوتاً. واللفظة تعني في لغة "بني إرم": رئيس عقيدة ضلال، وشيطان وصنم.
الهيكل
و "الهيكل" من الألفاط الدالة على موضع العبادة، استعملت لبيوت الاصنام مجازاً، ولمعابد النصارى. والظاهر أن استعمالها كان عند العرب الشماليين، في الغالب. مثل عرب العراق وعرب بلاد الشام، ولا سيما عند النصارى منهم. أخذوها من الاراميين، إذ هي بمعنى بيت الصنم، أي معبد الوثنيين عندهم. وقد وردت في لغة "ألمسند" كذلك، وردت بمعنى "قصر"، ومعبد في أيام دخول النصرانية إلى اليمن.
الحرم
وقد أطلق "الديدانيون" على بيت "بعل سمن"، لفظة: "احرم" بمعنى " الحرم" تعظيماً وتمجيداً له. فهو ذلك الإلَه. وترد لفظة "محرم" - التي لا زالت حية معروفة يطلقها أهل اليمن على محرم "بلقيس" - في لغة المسند، بمعنى المعبد، والمسجد الحرام. وقد وردت في عدد من النصوص.
وبيوت العبادة أنواع. بيوت عبادة كبيرة، يحج اليها في أوقات معينة، ومواسم محددة، من مواضع قريبة أو بعيدة، هي محجات يحج اليها في وقت معين ثابت، يتقرب بها المتعبدون الى رب المحجة أو أربابها بأداء واجب الخضوع والطاعة. وتكون محجة واحدة في الغالب، اختارها الإله أو الآلهة من بين سائر أماكن الأرض لتكون موضعاَ مقدساً وحرماً آمناً، فهي أقدس بقعة وأعز مكان في نظر المتعبدين لها على وجه هذه الدنيا. فلا تدانيها المعابد الأخرى ولا تبلغ منزلتها في الحرمة والمكانة.
وهناك بيوت عبادة أخرى تكون دون المحجات في الأهمية والدرجة، لأن الآلهة لم تخترها لنفسها ولم تنص على اسمها، وانما هي دور عبادة أقامها الناس تقرباً إلى تلك الآلهة. وهي متفاوتة في الدرجة أيضاً، فيها المعابد الكبيرة التي صرف على اقامتها مال كثير، وفيها معابد بسيطة، يقيمها الناس تقرباً إلى أر بابهم.
والناس في ذلك العهد، كالناس في ايامنا هذه، لا يكتفون بتشييد معبد واحد في المدينة، بل نجدهم يقيمون جملة بيوت للعبادة، وقدُ خصص بعضها بعبادة جملة آلهة، وخصص بعضها بعبادة إله واحد معين، يذكر اسمه على باب المعبد. وقد تبنى في الموضع الواحد جملة معابد لإله واحد، لأن المعابد من الأعمال الخيرية التى يقوم بها المؤمنون تقرباً إلى الالهة، لذلك يصادف قيام جملة أسر ببناء معابد لذلك الإلهَ، تسميها باسمه وتنقش اسم الأسرة أو المتبرع بالبناء على موضع بارز من المعبد. وبفضل هذه الطريقة القديمة، التي لا تزال البشريه تتبعها، تمكنا من الحصول على معلومات عن تلك المعآبد وعن الآلهة التي خصصت لها وعن أسماء المؤمنين الذين أقاموها.
الكهوف
وقد اتخذ الإنسان من الكهوف بيوتاً للعبادة،كما اتخذ من الجبال والمواضع المرتفعة أماكن بنى عليها معابده، ليكون في رأيه ونظره أقرب إلى السماء، حيث تقيم الالهة، فتسمع دعاءه، وتصل اليها كلمته، وتستجيب له، أكثر من استجابتها له لو كان على سطح إلأرض. وبنى الحضري معبده ه في المواطن التي يقيم فيها، وحاول جهده الإنفاق عليها، والتفنن في بنائها وزخرفتها، لتكون بيوتاً تليق بسكنى الأرباب.
الخيام معابد
أما البدو، فكانت معابدهم في الخيام، تحفظ فيها أصنامها، فتنتقل معها، وتضرب في الموضع الذي تحل القبيلة فيه. ينظرون اليها نظرة تقديس وإجلال، لأنها حرم الالهة وأماكنها وبيوتها ألمقدسة، فلا يجوز تدنيسها ولا انتهاك حرمتها. لهذا لم يعكن يسمح لأحد بالدخول اليها إلا اذا كان من رجال الدين.
ولهذه الخيام المقدسة سدنة، يضعون الصنم أو الأصنام فيَ جوفها، ويسهرون على خدمتها، وينقلونها معهم حيث تنتقل القبيلة. وهم يتوارثون خدمتها. واذا استقرت القبيلة وتحضرت، تحضر معبد صنمها بتحضرها كذلك. ووجد الصنم عندئذ له مستقراً دائماً ومقاماً ثابتاً، ويصير عندئذ في عداد الأصنام الثابتة.
ويكون للصنم عندئذ معبد تتناسب قيمته وأهميته ودرجة عمرانه، مع مكانة القبيلة وعدد رجالها وغناها وما عندها من مال.
ضخامة المعبد وقيمته وكنوزه
وللعين أهمية كبيرة في تقييم المعبد وفي نشر العبادة وفي تكوين شخصية الإلَه رب المعبد فيما بين الناس. فكما أن قيمة الإنسان بملبسه وبأناقته وبحسن مظهره، كذلك تكون قيمة المعبد بضخامته وبما يزبن به من نقوش وزخارف وبما يعلق على الموضع المقدس منه من ذهب وفضة وأحْجار كربمة. فالمعبد الضخم، يدل على قوة الإلهَ وقدرته في نظر من ينظر بعينه لا بعقله إلى قيم الأمور، أي في نظر السواد، وهم الكثرة الغالبة، ولذلك يجلبهم اليه، وتلقى ضخامته في نفوسهم تأثيراً كبيراً يجعلهم يشعرون أنهم أمام بيت إلَه حقاً، لما فيه من روعة ولما تفوح في داخله من روائح البخور والطيب، لذا حرص رجال الدين على جعل معابدهم ضخمة فخمة، لتجلب لها أكبر عدد ممكن من المتعبدين.
غار حراء كان يتعبد فيه الوثنيين العرب
ومن أشهر المواضع المرتفعة التي حج اليها المتعبدون للتبتل والتعبد، والتي ورد ذكرها في قصص أهل الأخبار: حِراء، وأبو قبيس، وثبير.
أما "حراء" فقد ورد في بيت منسوب إلى شاعر جاهلي: فإني والذي حجت قـريش محارمه، وما جمعت حراء
جبل النور
وجعل أحد ألأجبل الخمسة التيُ بني من حجارتها البيت. واليه كان يلجأ كبار قريش لدعوة آلهتهم في الملمات، واليه أيضاً كان ياًتي بعض المتحنثين النسّاك الزاهدين في عبادة الأوثان للتفكير والتأمل. وفيه غار تحنث فيه النبي، ويعرف ب "جبل النور". وورد ان أبا طالب أرسل عقيلاً ليأتي بالرسول إليه، فذهب إلى "كبس"، وأخرجه منه. والكبس الغار. ويظهر انه أراد به غار حراء.
أبو قبيس
وأما "أبو قبيس"، فيظهر من غربلة أخبار الأخباريين انه كان من المواضع المقدسة الداخلة في شعائر الحج، يرتقي. الحجاج ظهره، ليتموا بذلك مناسك حجهم، وليدعوا آلهتهم بما يطلبون ويرغبون. وكان مقصوداً عند نزول الشدة والبلاء. فالمظلوم يجد محله فوق هذا الجبل للدعأء عند انحباس المطر، لنزول الغيث.
وقد زعم بعض أهل الأخبار، انه سميّ "أبا قبيس" برجل من مذحج حدّاد، لأنه أول من بنى فيه، أو بقبيس بن شالخ، رجل من جرهم، كان قد وشى بين عمرو بن مضاض وبين ابنة عمه "مية"، فنذرت ان لا تكلمه، وكان شديد الكلف بها فحلف ليقتلن قبيساً، فهرب منه في الجبل المعروف به، وانقطع خبره. فإما مات وإما تردّى منه، فسمي الجبل أبا قبيس. "وله خبر طويل ذكره ابن هشام في غير هذا الكتاب. وكان أبو قبيس الجبل هذا يسمى الأمين، لأن الركن، أي الحجر الأسود، كان مستودعاً فيه ". "وكان الله عز وجل استودع للركن أبا قبيس حين غرق الله الأرض زمن نوح "، فلما أقام "ابراهيم" قواعد البيت، "جاءه جبريل بالحجر الأسود". والظاهر ان بيتاً للعبادة كان عليه، وانه كانت له صلة بالبيت، فتجسمت هذه الصلة في الذي ذكروه عن الحجر الآسود ووجوده فيه.
ثبير
وأما "ثبير"، فقد كانوا يفيضون منه في الحج على نحو يذكر في شعائر الحج. ويلاحظ أن أهل العربية الجنوبية وأهل السراة قدسوا قمم الجبال، فجعلوا فيها معابد لعبادة الالهة، مثل معبد "اوم" "أو ام" في "الو". وقد أزيلت معالم تلك المعابد في الإسلام، ولكن بعضها أخذ طابعاً اسلامياً فصير مثلاَ قبراً من قبور الأنبياء مثل: "حضور نبي شعيب"، الذي يقع على قمة جبل تعد من أعلا قممم جبال العربية الجنوبية، و "نبي ايوب" و " مقلى" على محر "مبلقة".
وترجع قدسية المواضع المقدسة وحرمتها إلى الاعتقاد بنزول الآلهة في هذه المواضع، والى وجود قوى خارقة فيها، أو إلى وجود مقدسين فيها قبروا في باطنها، فقدست تلك المواضع لهذه الأسباب. وتعرف هذه المواضع المقدسة بأسماء من تقدست بهم، وبأسماء المواضع التي نقع فيها.
و إنا لنرى كثيراً من الأماكن المقدسة قد أقيمت في جزيرة العرب عند الينابيع والآبار المقدسة حيث تروى الأرض بالماء فتنمو به المزروعات ويستقي منها الناس. وقد صوّر هذا الخصب لسكان تلك المناطق وجود قوى خارقة كامنة في تلك الأرضين كانت السبب في نظرهم في بعث الحياة للانسان ولهذه الأرض.
الشجرات المقدسة
وقدست بعض المواضع وأقيمت المعابد بها، بسبب وجود أشجار مقدسة بها، ونجد في أخبار أهل الأخبار أن بعض، المعابد مثل معبد العزى، كان المتعبدون يتقربون بها إلى سمرات،أي شجرات ثلاثة، أو إلى شجرة واحدة، فكانوا يعلقون عليها الحلي ويزينونها، ومثل معبد "ذات أنواط"،وهي شجرة كانت تعبد في الجاهلية، وهي سمرة كان المتعبدون لها ينوطون بها سلاحهم ويعكفون حولها.
الأحجار المقدسة
وقدست مواضع أخرى لوجود أحجار مقدسة بها، كانوا يطوفون،حولها من هذه المواضع: "عكاظ". فكان الناس يأتون الموضع في الموسم، فينصبون فيه خيامهم، ويقيمون سوقهم، ويطوفون بأحجار عكاظ، يقيمون على ذلك أيام الموسم. فهي أيام عبادة وتجارة وفرح.
ولهذه القدسية والحرمة، لم يسمح للسواد الأعظم من الناس بدخول الغرف المقدسة المخصصة بالآلهة، لأنها بيوت الآلهة، وعوض لهم عن هذا التحريم بالطواف حولها أو بلمس جدرانها، وللسبب نفسه،
يغسلون أحجار أصنامهم ويلبسونها ملابس نظيفة
حتم على القاصدين لها غسل أجسامهم وتنظيفها ولبس ملابس طاهرة نظيفة، كان سدنة بعض تلك المعابد، أو أهل المواضع النبي تقع فيها المعابد يؤجرونها للناس، بأجر معين مرسوم، إن كانت تلك المعابد من المعابد الكبيرة وفي مواسم الحج. كذلك لم يكن يسمح لأحد بالدخول إلى المعابد والأحذية في أرجلهم فلا بد من خلعها والدخول بغير أحذية احتراماً لقدسية المكان وخشية التدنيس. وقد حتم الجاهليون على من يريد دخول الكعبة من المتمكنين خلع نعليه، احتراماً للبيت. ذكر أهل الأخبار ان أول من خلع نعليه لدخول الكعبة "الوليد بن المغيرة"، فخلع الناس نعالهم في الإسلام.
الطهرة والنجاسة عند دخول بيت آلهتهم
وقد عثر على كتابات جاهلية تبين منها، ان الجاهليين كانوا يعدّون طهارة الملابس وطهارة الجسم من الأمور الملازمة لمن يريد دخول المعبد، فإذا دخل انسان معبداً وهو نجس عدّ أثماً،وقد ورد ان رجلاً اتصل بامرأة، ثم دخل المعبد بملابسه التي كان يلبسها حين اتصل بها.، فعدّ آثماً، ودفع فدية عن إثمه إرضاءً للآلهة. وورد ان رجلاً دخل معبد الإلَه "رب السماء" "ذ سموى" بمعطف نجس، فدفع فدية عن ذلك، جزاء ما ارتكبه من إثم. فدخول المعابد بملابس نجسة، نجاسة: مادية أو معنوية، إثم، تعاقب الآلهة عليه،لهذا اشترطت ديانتهم عليهم عدم دخول بيوت الآلهة، إلا بملابس طاهرة نظيفة حرمة وتقديراٌ لهذه البيوت.
وللسبب المذكور اشترط سدنة الصنم "الجلسد" على من يريد من عبّاده تقديم قربان اليه،أو تكليمه كراء ثياب مسدنة، للبسها بدلاً من ملابسهم، لأنها ملابس نظيفة طاهرة، لم تمسها أدارن مادية أو معنوية. وهو شرط نجده عند غير العرب أيضاً كالعبرانيين. وقد كانت المعابد تدخر ملابس تكريها لمن يريد أداء شعائر زيارة بيوت الأصنام،
دم المخاض والولادة نجاسة
وورد في كتب أهل الأخبار، أن الجاهليين حتموا على المرأة الحائض ألا تمس الصنم ولا تتمسح به، و ألا تدخل بيته لنجاسة الحيض. وورد أن "فاختة" أم "حكيم بن حزام بن خويلد"،كانت دخلت الكعبة وهي حامل متمّ بحكيم
ابن حزام فأجاءها المخاض، فلم تستطع الخروج من الكعبة،فوضعته فيها فلفت في الأنطاع هي وجنينها وطرح مثبرها وثيابها التي كانت عليها، فجعلت لقي لا تقرب.فيظهر من هذا الخبر ان أهل مكة كانوا يعتبرون دم المخاض والولادة نجساً،ولهذا اعتبرت الأنطاع التي وضعت "فاختة" جنينها عليها، بل اعتبرت هي نجسة أيضا، فلفت بالأنطاع، وألقيت، وجعلت لقي لا يمسها أحد.
الوضوء كان عادة وثنية
وعثر المنقبون على أحواض داخل المعابد في العربية الغربية، يظهر أنها كانت للوضوء، لتطهير الجسم قبل الدخول إلى المسجد، موضع الصنم.وذلك بغسل الوجه واليدين والقدمين وربما الأبدان كذلك، قبل الدخول إلى بيت الصنم. ولكون هذا الوضوء تطهيراً للجسم، عرفت "الميضأة" بالمطهرة، لأنها تطهر من الأدران. ولهذا السبب، حفرت الآبار في المعابد، لتموين هذه الأحواض بالماء، وللتبرك أيضاً بالماء المقدس، ولاستعماله في أغراض أخرى، منها تنظيف الجسم من الأدران بعد قضاء الحاجة.
القبلة فى أتجاه الصنم
ولهم آداب اتبعوها حين دخولهم بيت الصنم، وحين خروجهم منه. من ذلك ان القبائل كانت تتجنب ان تجعل ظهورها على مناة اعظاماً للصنم. فكانت تنحرف في سيرها، حتى لا يكون الصنم إلى ظهرها. وفي ذلك قال الكميت بن زيد، أحد بني أسد بن خزيمة بن مدركة: وقد آلت في قبائل لا تولي مناة ظهورها مُتَحرّ فينا
وقد تطورت أشكال المعابد و هندستها بتطور الحضارة، وبشكل طبيعة الأرض التي يقام المعبد عليها. وهي تتناسب مع درجة تطور الشعوب ودرجة رقيها وطراز تفكيرها واختلاطها. بالأمم المجاورة. ولذلك نجد معابد "تدمر" مثلاً قد تأثرت بطراز البناء الإغريقي، لتغلغل الثقافة اليونانية فيها، ولتأثر سكان المدينة باليونان. كذلك نجد هذا الأثر والأثر الروماني في معابد بلاد الشام وفلسطين، فالمعبد أذن هو نموذج معبر عن نفسية الناس وعن حضارتهم ودرجة تفكيرهم وعن هندستهم،ومدى تأثر فن البناء عندهم بالمؤثرات الداخلية الأصيلة أو المؤثرات الدخيلة في الزمن الذي قام فيه البناء.
ومن هنا نجد معابد اليمن، اتخذت لها الحجارة الضخمة المتقطعة من الصخور في بناء الجدر والأرض وفي الأعمدة، ونجد المعمار قد تفنن في تزويق الجدر والأعمدة والسقوف وفي زخرفتها، فصارت المعابد ضخمة جميلة، لا تضاهيها المعابد التي أقيمت في مواضع سهلة من جزيرة العرب، لعدم وجود المواد الصالحة للبناء فيها، ولأن الطبيعة لم تهب للمعمار فيها ما يدفعه إلى بناء أبنية ضخمة فيها تضاهي معابد أهل اليمن.
الاستفسار عن المغيبات
ولم تكن المعابد مواضع عبادة وتقرب إلى الأصنام حسب، بل كانت مواضع استفسار عن المغيبات كذلك، يقصدها أهل الحاجات لسؤال الآلهة عما عندهم من مشكلات، أو عما سيخبئه لهم المستقبل من أمور، أو عن أعمال يريدون القيام بها، أو عن سرقة، وما شابه ذلك من طلبات. ومن هذه البيوت بيت رئام، وقد كانوا يكلمون منه وينحرون عنده. وبيت العزى، و كانوا يسمعون فيه الصوت. والمنطبق وكان صنماً من نحاس يكلمون من جوفه، فيأتيهم الجواب. وبيت "الجلسد"،صنم كندة وأهل حضرموت. وقد ذكر "الجاحظ": " أنهم كانوا يسمعون في الجاهلية من أجواف الأوثان همهمة، وأن خالد بن الوليد حين هدم العزى رمته بالشرر حتى احترق عامة فخذه، حتى عاده النبي، صلى الله عليه وسلم". وهو ممن يشكون في صدور مثل هذه الأمور إذ يقول: " وهذه فتنة لم يكن الله ليمتحن بها الأعراب وأشباه الأعراب من العوام. وما أشك أنه كان للسدنة حيل وألطاف لمكان التكسب ".
تكليم الأصنام
ويقوم الكهان بتكليم الصنم، وهم الذين يفسرون للسائلين الهمهمة أو الأصوات الصادرة من تلك الأصنام ويتكلمون على ألسنتها بما يلائم السائل مقابل نذر وهدايا وألطاف يقدمونها إلى السدنة. وهذا النوع من التنبؤ، معروف عند اليونان والرومان،مشهور ومعروف عند غيرهم من الأمم كالبابليين والآشوريين والعبرانيين. بل هو يؤلف جزءاً مهماً من أركان الديانات القديمة، ويطلق عليهracule في الإنكليزية من Oraculum اللاتينية، ومعناها التكلم. ولهذا النوع من التنبؤ صلة كبيرة بالسحر، Magic وبالكهانة في الديانات القديمة والديانات البدائية عند بعض الشعوب الافريقية و الاسترالية في الزمن الحاضر. وقد اكتسبت بعض معابد اليونان شهرة كبيرة في هذا النوع من التنبؤ بالغيب، وأشهرها معبد "دلفي" Delphi الذي كسب شهرة عظيمة في هذا الباب.
وقد ورد في بعض النصوص، ان قوماً كلموا آلهتهم في شهر "ذ اجبى ذ عثتر" و "ذ فرعم ذ عثتر"، فأًجابهم الإله "عثتر" على ما سألوا عليه. وورد ان جماعة من المؤمنين ب "عم"، كلموه، فأًجابهم على ما سألوا عنه. وكانوا إذا كلموا الآلهة، فوجدوا ان الأجوبة غير منسجمة مع الأسئلة، أعادوا الأسئلة عليها وقدموا قرابين جديدة لها، أو وزادوا في الحلوان،يفعلون ذلك حتى يسمعوا الجواب المناسب لأسئلتهم.
الصنم هبل والأقداح السبعة
ولم أسمع بوجود تكليم في مكة. فلم يذكر أحد من أهل الأخبار أن الجاهلين كانوا يأتون الكعبة لسماع أجوبة الأصنام عن أسئلة يوجهونها اليها،ولا عن وجود سدنة كانوا يقومون بأي نوع من التكليم. وإنما ذكروا أنهم كانوا يسألون الأصنام النصح والارشاد،والأمر والنهي بفعل فعل أو تركه، ويكون ذلك بالاستقسام بالأزلام. وقد خصص الصنم "هبل" بهذا النوع من الإرشاد. وكانت عنده سبعة قداح، كل قدح منها فيه كتاب: قدح فيه العقل، اذا اختلفوا في العقل من يحمله منهم، ضربوا بالقداح السبعة عليهم، فإن خرج العقل، فعلى من خرج حمله. وقدح فيه "نعم" للأمر،إذا أرادوه يضرب به في القداح، فإن خرج قدح فيه نعم، عملوا به. وقدح فيه "لا"، فإذا أرادوا الأمر ضربوا به في القداح، فإذا خرج ذلك القدح، لم يفعلوا ذلك الأمر. وقدح فيه "منكم"، وقدح فيه "ملصق"، وقدح فيه "من غيركم"، وقدح فيه "المياه"، فإذا أرادوا أن يحفروا للماء ضربوا بالقداح، وفيها ذلك القدح، فحيثما خرج به، عملوا به. وكانوا إذا أرادوا أن يختنوا غلاماً أو ينكحوا منكحاً أو يدفنوا ميتاً أو شكوا في نسب أحدهم،ذهبوا به إلى هبل وبمئة درهم و جزور،فأعطوها صاحب القداح الذي يضرب بها، ثم قربوا صاحبهم الذي يريدون به ما يريدون،ثم قالوا: يا إلهنا فلان، أردنا به كذا. وكذا، فأخرج الحق فيه. ثم يقولون لصاحب القداح: إضرب،فإن خرج عليه "منكم" كان منهم وسيطاً، وإن خرج عليه من "غيركم" كان حليفاً، وإن خرج عليه "ملصق"، كان ملصقاً على منزلته فيهم لا نسب له ولا حليف، وإن خرج شيء مما سوى هذا مما يعملون به "نعم" عملوا به، وإن خرج "لا" أخروه عامه ذلك، حتى يأتوا به مرة أخرى، ينتهون في أمرهم ذلك إلى ما خرجت به القداح.
وهكذا كانت قريش والقبائل التي تحج إلى مكة تأتي إلى هبل لاستشارته في قضايا تهمها، فما يخرج في القدح مما هو مكتوب، يكون الجواب. غير أن بعض الأجوبة قد يأتي على خلاف رغبة السائلين، ولذلك كانوا يغرون الضارب على القداح بالضرب إلى أن يخرج القدح الذي فيه يريدون ويشتهون وقد يؤخرون ذلك بعض الوقت. وهم يفسرون النتيجة التي تظهر أنها رغبة الصنم و أرادته بوحيها، فتظهر بالقداح.
وذو الخلصة من الأصنام التي كان يستقسم عندها كذلك. والى هذا الصنم ينسب قول أحد الشعراء لهذه الأبيات:
لو كنت يا ذا *** الخلصة الموتورا
مثلي وكان *** شيخك المقبـورا
لم تنه عن *** قتل العُداة زورا
وهي أبيات ينسبها بعض الرواة إلى امرىء القيس. وكان أبوه قتل، فأراد الطلب بثأره. فأتى ذا الخلصة، فاستقسم عنده بالازلام، فخرج السهم ينهاه عن ذلك، فقال هذه الأبيات التي تتحدث عن غضب الشاعر على هذا الصنم، لنهيه إياه عن الأخذ بالثأر،. ولو كانت النتيجة كما يشتهي، لما قال الشاعر هذه الأبيات بالطبع، وتجاسر على الصنم.
ولما كانت الحروب والغزوات من القضايا المهمة، كانت استشارة الأصنام والاستقسام بشأنها من الأمور المأًلوفة، فكان أهل مكة اذا أرادوا الحرب أو عقد هدنة أو إبرام أمر خطير أتوا "هُبل" يستقسمون. عنده ليعطيهم الرأي المصيب في هذا الموضوع.
والغالب ان يكون الاستقسام أمام الصنم، ليقع في روع طالب الاستقسام ان ما يجري إنما هو بعلم الصنم و بوحيه، فيكون ذلك أوكد في نفسه وأعمق تأثيراً.
أشكال المعابد
هذا ولا بد لي ان أشير إلى اننا لا نملك حتى الآن رأياً واضحاً قاطعاً في شكل المعابد عند الجاهليين. ولا يمكن تكوين رأي واضح عن هذا النحو إلا بعد قيام علماء الآثار المتخصصين بدراسة آثار المعابد والكشف عنها ورسم مخططات صحيحة لقواعدها وأسسها. ولذلك،لا بد من مرور زمن، حتى يتمكن العلماء من تكوين رأي في أصول المعابد، وكيفية إقامتها من الوجهة الدينية الأصولية عند العرب قبل الإسلام.
واذا كان في استطاعتنا تحديد شكل "بيت الله" بمكة، و "كعبة نجران" و "كعبة سنداد"، أو "كعبات سِنداد"، كما يسميها البعض، فإن من الصعب علينا تحديد هيأة بيوت الأصنام في المعابد الأخرى، لعدم ورود نص يعين صفة تلك البيوت في أخبار أهل الأخبار. فلا ندري أكانت مكعبات، أم على أشكال أخر.
ولما كانت المعابد بيوت الأرباب، صارت لها حرمة خاصة وقدسية في كل دين، فلا يجوز انتهاك حرمتها، ولا القيام بأعمال شائنة دنسة فيها، خاصة بالقياس إلى الأماكن المقدسة جداً التي تعدّ محجة للناس. وقد اتخذت حول البيوت مواضع عدّت جزءاً من المعبد حددت بحدود، فما كان داخلاً عد حرماً آمناً، وما كان خارج الحد كان خارجاً عن المعبد، فليست له تلك الحرمة التي عينّتها شريعة القوم للمعابد.
وأقدس مكان في المعبد هو "البيت"، أي الغرفة التي تضم الصنم أو الأصنام. فقد كان البيت، وهو المسمى الكعبة في مكة، أقدم موضع عند قريش وعند غيرهم من عبدة الأصنام الذين كانوا يقدسون "البيت الحرام"، وذلك بسبب وجود الأصنام فيه.
ويعبر في العربية الجنوبية عن البيت الذي توضع فيه الأصنام، ب "مختن" فهو إذن بمثابة الكعبة بمكة.
الأرض التى حول بيوت الآلهه مقدسة ويطلق عليا أسم الحرم
ويقال للأرض الحرام المقدسة التي تحيط ب "البيت"، "الحرم". قيل سمي "الحرم" حرماً لتحريم الناس فيه كثيراً مما ليس بمحرم في غيره من المواضع. وقد وردت اللفظة في الكتابات النبطية. فوردت في كتابة نبطية عثر عليها في "بطرا" عما لحرم الإلَه ذي الشرى، قصد به الأرض المقدسة المحيطة ببيت ذلك الصنم، والمعبد كله، لأنه محرم ومقدس: "حرم ذي الشرى الإلهَ ربنا". ولا يجوز لأحد انتهاك حرمة الحرم والاعتداء عليه. وإذا دخل انسان الحرم صار آمناً مطمئناً، لا يجوز أن يعتدى عليه، ولا أن يمس بسوء، وإن كان قاتلاً. وحدود الحرم انصابه،وهي علاماته، فمن اجتازها وصار في داخلها، دخل في حرمة الحرم.
وما كان خارج الحرم، هو من الحل، أي من المنطقة الخارجة عن حرمة المعبد. فلا تشملها الأحكام المفروضة على الحرم.
وكان الرجل في الجاهلية إذا أحدث حدثاً ولجأ إلى الكعبة، لم يهج، فكان إذا لقيه وليّ الدم في الحرم، قيل له: هو صرورة ولا تهجه.
الأنصاب أحجار مقدسة لدى الوثنيين
ولمكانة الحرم في نفوس الجاهليين ولأنه موطن آمن من دخل فيه صار آمناً، كان لا بد من تحديده ووضع معالم تشير إلى نهايته، إما بوضع أنصاب على أطرافه من تجاوزها إلى داخله صار آمناً فلا يخاف على نفسه، وإما ببناء حائل كجدار أو سياج أو أمثال ذلك ليكون اشارة إلى حرمة ما وراءه في الداخل. وقد جعل أهل مكة حدود حرم البيت أنصاباً من تجاوزها إلى الداخل صار في حرمة الحرم وفي حماية رب البيت.
وكانت أرض المعابد، أي حرمها، واسعة في الأصل، ذات ماء وأشجار وحمى، ثم تقلصت وضيقت وحددت بحدود، بسكن الناس حولها، وبتقربهم من المعبد، وبزيادة عدد عبّاده. فعندما يتألق نجم معبد، ويكثر المؤمنون بصاحبه، يكثر زوّاره، ويتسابق الناس إلى السكن بجواره والتقرب منه جهد امكانه، إذ يكون ذلك شرفا لهم. شرف مجاورة البيت، كما يكون مكسباً ومورداً طيباً للمال، لرغبة الزوار في مجاورة المعبد، فيدفع هذا الطمع، أصحاب النفوذ والجاه على اختلاس الأرض والتجاوز على حدود الحروم فتضيق. كالذي حدث بمكة، إذ كان الحرم واسعاً كبيراً، يشمل الوادي كله، فلما هبط "قصي" به وابتنى البيوت، اعتدى من جاء بعده على الحرم حتى صغر، مما دفع الخلفاء على شراء البيوت المجاورة وهدمها لاعادة أرضها إلى الحرم ليتسع صدره للناس.
فى حمى الآلهة
وتلحق بالمعابد أرضون،يقال لها "حمى" لأنها في حماية الأرباب والأصنام ورعايتها، فلا يعتدى عليها، ولا يقطع شجرها ولا يرعى فيها ولا يسمح بصيد الحيوان فيها والاعتداء عليه في أرض الحمى. فكان في الطائف "حمى"، وهو "حمى اللات"،وقد خصص به، وكان حمى في جرش. بل كان وادي مكة الذي أقيم البيت به "حمى" لرب البيت،ولم يكن يسمح لأحد قبل "قصي" بقطع شجره، ولا التجاوز على ما فيه من نبت. وقد كان "قُصي" كما يقول أهل الأخبار أول من اقتطع شجره، وأقام البيوت لسكناه وسكنى قريش في ذلك الوادي.
ويفهم من كلام "نيلوس" Nilus أن العرب لم يكونوا يحيطون مواضعهم المقدسة التي فيها أصنامهم بأسوار، وإنما كانوا يجعلون لحرمها حجارة تكون حدّاً وعلامة للحرم. ويتبين من كلام هذا المؤرخ الذي أسر العرب ابنه وأرادوا تقديمه إلى الزهرة قرباناً على حدّ قوله، أنه قصد بالعرب الأعراب، ولا سيما أعراب طور سيناء، وقد كانوا أشداء غلاظاً يلقون الرعب في النفوس، وكانوا يتاجرون بالرقيق يقبضون على من يقع في أيديهم ويبيعونه في أسواق الرقيق. وجماعة هذا شأنها لا تستقر في مكان، لا يمكن بالطبع أن يكون لها معبد ثابت، وإنما يكون معبدها الموضع الذي يوضع صنم القبيلة فيه، ولتعيين الأرض الحرام توضع تلك الحجارة.
إلا أن هذا لا يعني أن معابد أهل المدر كانت مسورة أو ذات حائل دائماً، فقد ذكرت أن حرم بيت الله بمكة لم يكن مسوراً،بل كان معلماٌ بأنصاب. ومكة موضع حضر. أما حرم معبد "المقه" بمأرب وكذلك أكثر معابد أهل اليمن، فقد كانت مسوّرة بأسوار عالية قوية، لها أبواب يدخل المتعبدون منها، تفتح وتغلق كما نفعل هذا اليوم في دور العبادة عندنا.
ومن المعابد الشهيرة: "البيت الحرام"، أي "الكعبة"بمكة، وسأتكلم عليه في موضع خاص. ومعبد ذو الشرى" Dusharae بمدينة "بطرا"، و "كعبة سنداد"، و "كعبة نجران"، ومعابد عديدة في مواضع أخرى من جزيرة العرب، ولا سيما اليمن.
رب البيت
والفضل في ظفرنا ببعض المعارف عن "بيت الرب" بمدينة "بطرا"، يعود إلى الكتابات النبطية،والى ما كتبه بعض الكتبة اليونان والسريان عنه. وقد خصص هذا البيت بعبادة الإلَه "ذي الشرى"،الذي هو "رب البيت" الذي أطلقها النبط على إلههم تذكرنا بجملة أخرى معروفة في الجاهلية عند أهل مكة، كما هي معروفة عند المسلمين حتى اليوم،هي جملة: "رب البيت"، التي تعني إلَه البيت،وهو الكعبة،وقد أقرها وثبتها الإسلام. وقد نعت "رب البيت"، "رب بيت ذي الشرى" ب "الذي يفرق الليل عن النهار" وهو نعت له أهمية كبيرة في تكوين فكرة عن وجهة نظر عبّاده اليه.
وقد نصب في هذا المعبد الصنم "ذو الشرى" على قاعدة مكسوة بالذهب، في بيت موشى بالذهب وبالصور التي تمثل مشاهد تقديم القرابين اليه. وهو في موضع مرتفع على صخرة عالية، يحج اليه الناس من مواضع بعيدة، للتقرب إلى ذلك الإله الذي يقابل الإلهَ "باخوس" و "ديونسيوس" Dionysos-Bacchus في رأي الكتبة اليونان واللاتين.
وكان لهذا المعبد حج يقع في ليوم الخامس والعشرين من شهر كانون الأول من كل عام، فيفد اليه الناس من أماكن بعيدة للتقرب إلى "رب البيت"،فينحرون ويقضون الأيام المعينة، ثم يعودون إلى ديارهم. والظاهر ان هذه الكعبة لم تكن خاصة بأهل "العربية النبطية"، إنما كانت محجة لغيرهم من العرب، كما يتبين ذلك من تصريحات بعض الكتبة "الكلاسيكيين" عنها.
الكعبات معابد العرب الوثنيين
وقد عرفت بعض معابد الجاهليين ب "الكعبات". ويدل ذلك على أن بناءها كان على هيأة مكعب كشكل بناء الكعبة، وعلى أن العرب كانوا يبنون بيوت الأصنام الكبرى على هذا النحو. من هذه كعبة "سِنداد" على ما يذكره الأخباريون،وهي قصر كانت العرب تحج اليه. فيطوفون حوله، وقد عرف ب "الكعبات" جمع كعبة وهو البيت المربع والمرتفع، وب "ذات الكعبات". و "ذي الكعبات". وكان مركز حج قبائل بكر بن وائل و إياد. ولكن الأخباريين لم يتحدثوا بشيء من التفصيل عن هذا المعبد وعن كيفيته وشكله وعن الأصنام التي كانت فيه. وقد ذكر "ابن الكلبي" أن هذا البيت لم يكن بيت عبادة، إنما كان منزلاً شريفاً.
وذكر أن "ذات الكعبات" بيت كان لبكر وتغلب ابني وائل وإياد، وذكر أنه بيت كان لربيعة، كانوا يطوفون به. وذكر أنه كان لإياد،وكان كعبة بسنداد بين الحيرة والابلة. وهو من منازل إياد أسفل سواد الكوفة، وكان عليه قصر تحج العرب اليه.
كعبة نجران
وكان بنجران بيت عبادة عرف ب "كعبة نجران". وهو بناء بُني على هيأة الكعبة. وفي رواية تنسب لابن الكلبي انها كانت قُبة من أدم من ثلاث مئة جلد، كان اذا جاءها الخائف أمن، أو طالب حاجة قضيت، أو مسترفداً رفد. ويستخلص من الأخبار الواردة عن هذه الكعبة ومن أسماء أصحابها ومن كونهم أساقفة انها كانت بيعة أسسها النصارى في مركز النصرانية في اليمن، وهو موضع نجران، وانه لا علاقة له بالوثنية.. ويذكر الأخباريون ان بني عبد المدان ابن الديّان الحارثي أقاموها هناك، مضاهاةً للكعبة. وقد ذكر "ابن الكلبي" ان كعبة نجران لم تكن كعبة عبادة،. وانما كانت غرفة يعظمها القوم من بني الحارث بن كعب. وبنو الحارث بن كعب هم رؤساء نصارى نجران. وذكر بعض أهل الأخبار ان كعبة نجران وكانت لمذحج وبني الحارث بن كعب، عرفت ب "الربة".
وقد ذكر "ابن الكلبي" ان رجلاً من جهينة يقال له عبد الدار بن حُديب أراد بناء بيت بأرض من بلادهم يقال لها الحوراء ليضاهي به الكعبة حتى يستميل به العرب، فأعظم قومه ذلك، وأبوا عليه. ونجد في كتاب "الأصنام" لابن الكلبي،وفي كتب أهل الأخبار أسماء مواضع ذكر انها كانت بيوت عبادة حج اليها العرب حجهم لمكة. وذكر ان قريشاً بنت. للعزى بيتاً بوادي حراض بإزاء الغمير،وحمت له شعباً من وادي حراض يقال له سقام،يضاهون به الكعبة، وقد حجت اليه،وكانت تنحر عنده، ويتقربون إلى العزى بالذبائح.
دومة الجندل
وقد ذكر الأخباريون أنه كان بعكاظ صخور يطوف الجاهليون بها ويحجون اليها. وإذا تذكرنا "دومة الجندل" ومعبدها الكبير، فلا يستبعد أن تكون الأسواق الأخرى مواضع مقدسة قديمة كانت محجة للناس عامرة تفد اليها القبائل في مواسم الحج، ثم فقدت خطورتها قبيل الإسلام، ولم يبق عليها إلا طابع الأسواق التجارية.
وتكون في المعابد مواضع يلقي فيها العباد وأصحاب النذور هداياهم ونذورهم التي يتقربون بها إلى آلهة المعبد. وقد أشار أهل الأخبار الى وجودها في الكعبة وفي المعابد الجاهلية الأخرى. ويظهر من وصفهم لها أنها كانت على شكل حفر، تلقى فيها تلك الهدايا والنذور. فذكر الأخباريون أنه كان على يمين الداخل إلى البيت "جب"، اتخذ خزانة للبيت يلقى فيه ما يهدى الى الكعبة، وهو الجب الذي نصب عليه عمرو بن لحي "هبُل" وهو صنم كانت قريش تعيده. وقد عرف علماء اللغة الجب بأنه البئر،و وصفها "الأزرقي"،فقال: إنها كانت في جوف الكعبة على يمين من يدخلها، وكان عمقها ثلاث أذرع، وان اسمها "الأخسف"،وكانت العرب تسميها "الأخشف".
السقاية
وفي المعابد سقايا،يستقى منها الماء للشرب وللتطهر، كأن تغسل الأوجه والأيدي والأرجل بالماء ليسمح للزائر بدخول المعبد، أو لتحل له إقامة الشعائر الدينية. ويعد الماء ماءً مقدساً، لأنه من أرض مقدسة، ولذلك يتبرك به أيضاً، ويستشفى بالشرب منه. وقد عثر المنقبون على آثار آبار وأحواض مطمورة في حرم المعابد، كان المتعبدون يستفيدون من مياهها عند زيارتهم بيوت أربابهم،وعند أدائهم الشعائر الدينية. وبئر زمزم، هي البئر الوحيدة الباقية من آبار بيوت الله التي كانت في الجاهلية.
وقد كانت سقاية الحاج من المآثر الكبيرة عند أهل مكة،وهي تسقية الحجاج من الزبيب المنبوذ بالماء. وكان يليها في أيام الرسول العباس بن عبد المطلب. وكان بعضهم يسقي الحاج اللبن بالعسل.
المذابح
وتلحق بالمعابد مذابح تذبح عليها القرابين التي يقرب بها المؤمنون الى آلهتهم، ويقال للواحد منها، "مذبح" و "نصب" و "مصب" و "غبغب". وقد وردت لفظة "مذبح" و "مذبحت"،أي "المذبحة"، في طائفة من الكتابات. وهي مواضع الذبح، حيث يكون تقريب القرابين إلى الآلهة.
وقد ذهب علماء اللغة مذاهب في تحديد معنى "النصب"، فرأى بعضهم ان النصب كل ما عبد من دون الله، وذهب بعض آخر الى ان النصب صنم أو حجر كانت الجاهلية تنصبه، وتذبح عنده، فيحمرّ للدم، وذهب آخرون إلى ان الأنصاب حجارة كانت حول الكعبة تنصب، ويذبح عليها لغير الله تعالى. وعرفها بعض بقوله:" النصب الأوثان من الحجارة، جماعة أنصاب كانت تجمع في الموضع من الأرض، فكان المشركون يقربون لها وليست بأصنام"، "قال ابن جريج: النصب ليست بأصنام. الصنم يصور وينقش، وهذه حجارة تنصب ثلثمائة وستون حجراً. منهم من يقول ثلثمائة منها بخزاعة. فكانوا اذا ذبحوا نضحوا الدم على ما أقبل من البيت وشرحوا اللحم وجعلوه على الحجارة. فقال المسلمون: يا رسول الله ? كان أهل الجاهلية يعظمون البيت بالدم، فنحن أحق ان نعظمه ". ولو أخذنا برواية "ابن جريج"،خلصنا إلى ان هذه الأنصاب، كانت بعدد أصنام الكعبة، اي انهم كانوا قد خصصوا بكل صنم، نصباً، يذبحون عليه ما يتقربون به اليه من عتائر. فقد كان عدد أصنام الكعبة ثلثمائة وستون حجراً عام الفتح على ما يذكره أهل الأخبار، إلا اذا اعتبرنا ما ذكروه عن عدد الأصنام وهماً، وأخذنا برواية "ابن جريج" التي هي دون الرواية الأخرى في الشهرة والذكر.
النصب هى الحجارة
وأشير إلى "النصب" في شعر ينسب إلى "الأعشى"، يقال إنه قاله في مدح الرسول هو: وذا النصب المنصوب لا تنسكنه لعاقبة والله ربـك فـاعـبـدا
وعلى كل، فنحن لو أخذنا بالروايتين، أو برواية واحدة منهما، فإن العدد "360" يلفت النظر حقاً. فلمَ خصص رواة الخبرين عدد الأصنام أو الأنصاب كذا الرقم، وهل يمثل ذلك شيئاً له صلة بالفلك، أو بأسطورة دينية قديمة كانت عند أهل مكة ? وقد وردت كلمة "النصب" في آية اللحوم المحرمات التي لا يجوز أكلها في القرآن الكريم: )حرمت عليكم الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، والمنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبعُ، الا ما ذكيتم، وما ذبح على النصب(. فجعلت،الذبائح التي تذبح على النصب للأصنام في جملة التي لا يحل للمسلم أكلها،فيفهم من هذه الآية أن النصب مواضع تذبح عليها القرابين. كما وردت في موضع آخر من سورة المائدة: )يا أيها الذين آمنوا، إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان. فاجتنبوه(. وقد ذكر علماء التفسير، أن الأنصاب التي يذبحون عندها.
وقد ذكر علماء التفسير،ان أهل الجاهلية كانوا قد وضعوا حول الكعبة أنصاباً، أي حجارة كانوا يذبحون عليها، فكانوا اذا ذبحوا نضحوا الدم على ما أقبل من البيت وشرحوا اللحم: وجعلوه على الحجارة. وكانوا يبدلونها إذا شاؤوا بحجر هو أحب اليهم منها. كما كانوا قد وضعوا الأنصاب في بيوت الأصنام الأخرى، يذبحون عليها ذبائحهم لها. وقد أشير إلى "المائرات"،أي الدماء: دماء الذبائح ل "رشيد بن رميض العنزي": حلـفـت بـمـائرات حـــول عوض وأنصار تركن لدى السعير
و "عوض" صنم لبكر بن وائل، و "السُعير" صنم لعنزة خاصة. و "نصب" هي " نصب" و "مصب" في اللهجات العربية الجنوبية، و "نصب" و "مصبت" في الفينيقية، و "مصبه" Masseba في العبرانية. ويراد بها مذبح، تذبح عليها القرابين والضحايا التي يقدمها المتعبدون إلى معبودهم Deity. ويعرف ب Altar أي مذبح في الانكليزية. وهو من حجر واحد في الأصل، قد يذبح عليه، فيسيل الدم فوقه ويتلطخ به، وقد يكون في نظرهم بمثابة المعبود الذي تقدم الضحية اليه. وقد يذبح عليه، فيسيل الدم من فتحة تكون فيه إلى بئر تتجمع فيها دماء الذبائح، تكون عند قاعدة النصب.
وقد تخصص المذابح بحرق لحم الذبيحة كله أو بعضه عليها،تقرباً إلى الأصنام، كالذي كان يفعله العبرانيون.
وقد عثر المنقبون على أحجار عديدة اتخذت أنصاباً لذبح القرابين عليها أو عندها، عثرعليها في العربية الجنوبية بصورة خاصة. وفي بعضها فتحة على هيأة ثقب تسيل منه دماء القرابين إلى موضع تتجمع فيه. وفي بعض آخر مسايلُ جانبية، تسيل الدماء منها إلى الخارج. وهذه الأنصاب هي "مذابح" ويقال للواحد منها "مذبحم" في العربيات الجنوبية أي "مذبح". ولذبح القرابين "ذبحن"و "ذبحم"،أي "الذبح" و "ذبح".
الحفرة التى يتجمع فيها الدم تسمى الغبغب
فالنصب اذن،الأحجار التي تذبح عليها القرابين وما يهل للأصنام. والعادة أن تكون أمام الصنم،وعلى مقربة منه. فإذا ذبح القربان سال دمه على النصب إلى ثقب يؤدي الى حفرة يتجمع فيها الدم. هي "الغبغب". و "النصب" هو "مصبه" Massebah في العبرانية، حيث كانوا يذبحون عليها القرابين. ولكثرة ما كان يذبح عليها صارت تبدوا حمراء من لون الدم، وقد أشير إلى الحمرة في حديث اسلام "أبي ذر الغفاري"،إذ ذكر أنه وصف تعذيب قريش له بقوله: " فرماني الناس حتى كأني نصب أحمر".
وليس لأهل الأخبار رأي واحد في "الغبغب،"،وإنما ذهب بعضهم إلى أن الغبغب هو المنحر، وذهب بعض آخر إلى أنه خزانة المعبد، يلقي النافرون فيها ما عندهم من نذور وقربات، و ذهب فريق آخر الى أنه بيت كان الناس يحجون اليه،كما يحج إلى البيت بمكة. وقيل إنه كان لمعتب بن قيس بيت يقال له غبغب،كانوا يحجون اليه.
والذي عليه أكثر أهل الأخبار أن "الغبغب" المنحر. وقد صرح بذلك "ابن الكلبي" في كتاب "الأصنام": وهو يتحدث عن "العزى"،فقال: "ولها منحر ينحرون فيه هداياها، يقال له الغبغب". كما صرح بذلك علماء اللغة إذ عرفوا الغبغب بأًنه المنحر، أو نصب كان يذبح عليه في الجاهلية، أو كل مذبح بمنى. وقد خصصه بعضهم بمذبح منى. أو هو حجر ينصب بين يدي صنم، وكان لمناف مستقبل ركن الحجر الأسود غبغب،وقيل كانا اثنين ويظهر من شرح علماء اللغة للمثل: "رب رمية من غير رامٍ"، ينسب قوله إلى الحكم بن عبد غوث أن الغبغب هو المذبح، أي المنحر الذي ينحر عليه.
ويظهر من روايات أهل الأخبار عن "بيوت" الآلهة انه كان لكل "بيت" "غبغب"، تذبح فيه هداياها،أي ما يهدى إلى تلك البيوت من قرابين. وقيل: الغبغب: المنحر، وهو جبيل بمنى، فخصص. وقيل كل منحر بمنى غبغب. قال الشاعر: والراقصات الى منى فالغبغب
ويذكر علماء اللغة ان "الغبغب" "العبعب" كذلك. وان العبعب موضع الصنم. وصنم لقضاعة ومن داناهم. وبيت كان لمتعب بن قيس،كانوا يحجون اليه كما يحجون إلى البيت. ويظهر من هذا الشرح ان "الغبغب" و "العبعب"،كلمة واحدة،لشيء واحد.
و "الغبغب" "الجب" كذلك. وهو حفرة يجمع فيها دم البدن، والجمع "الجباجب". قال "الزبير بن بكّار:الجباجب جبال مكة حرسها الله تعالى، أو أسواقها أو منحر، وقال البرقي، حفرٌ بمنى كان يلقى به الكروش، أي كروش الأضاحي في ايام الحج، أو كان يجمع فيها دم البدن والهدايا،والعرب تعظمها وتفخر بها ".
ويفهم أحياناً ان "الغبغب"،حفرة أو بئر، كان المتعبدون للاصنام يرمون بها نذورهم وهداياهم وما يتقربون به إلى أصنام كل: نذور نفيسة، من ذهب أو فضة أو حجارة كريمة. فكانت تحت صخرة "اللات" حفرة عرفت ب "الغبغب" حفظت فيها الهدايا والنذور والأموال التي كانت تقدم إلى الصنم. فلما هدم الصنم أخذت من الغبغب تلك الأموال. ويرادف الغبغب "الجب"، الذي يقال له "الأخسف" و "الأخشف"،وهو بئر في جوف الكعبة نصب "هبل" عليه. كان الناس يرمون فيها نذورهم وهداياهم. وتقع على يمين من يدخل البيت،وكان عمقها ثلاث أذرع.
و "الغريّ" مذبح على ما يظهر من تفسير علماء اللغة لهذه اللفظة. يظهر أنه كان صخرة تذبح عندها الذبائح وتطلى بدمها،أو نصب تذبح للقرابين عليه. ويعبر عن المذبح الذي تذبح عليه الحيوانات الكبيرة،مثل البقر بلفظة "حردن". ومن الألفاظ التي تطلق على المذبح، "منطف"و"منطفت"،أي "المنطفة"،وهي المذبحة. والمذبح، هو "مذبحت" في نصوص المسند، أي موضع الذبح.
المحارق
وتلحق بالمعبد محارق،تحرق فيها القرابين، يقال لها "مصرب". وقد كان العبرانيون يحرقون قرابينهم، في محارق تلحق بالمعبد، وتكون جزءاً منه. أما العرب، فإننا لا نستطيع أن نقول إنهم كانوا يحرقون قرابينهم في كل جزيرة العرب، لأننا لا نملك أدلّة آثارية على ذلك، إلا معابد اليمن واعالي الحجاز، حيث عثر على آثآر المحارق في معابدها،مما يدل على أنهم كانوا يحرقون القرابين.
و "المصرب"،المحرقة، الموضع الذي يحرق به الخشب ذي الرائحة الطيبة أو البخور، وهو مبخرة، تكون في المعابد،محرق بها، لتفوح منها روائح طيبة،أثناء العبادة. وقد أشير اليها في نصوص المسند.
البخور والمباخر
وللتبخير شأن كبير في أداء الفروض في المعابد، إذ لا بد من حرق البخور فيها، فيبخر بها المذبح والأصنام كما يبخر القائمون بأداء تلك الفروض. وتسمى المبخرة ب "مسلم"، وب "مقطر" وذلك في لغة بعض الجاهليين.
و "المجمرة" والمجمر، الموضع الذي يوضع فيه الجمر بالدخنة للتجمير. وقد أشير إلى المجمرات والمباخر في كتابات المسند. وعثر المنقبون على نماذج منها، قدمها الناذرون نذوراً إلى آلهتهم، وقد وضعوها في معابدها، وهي في جملة الهدايا المرموقة التي تقدم إلى المعابد بعضها من أحجار وبعضها من معدن بذل جهداً في صنعته وفي زخرفته حيث يكون هدية قيّمة تكون خليقة بوضعها في المعابد.
وقد كان الناس يأتون بالمجامر ليجّمروا بها،الكعبة تقرباً بعملهم هذا إلى الأصنام، وذكر ان حريقاً أصاب الكعبة، بسبب تطاير شرر من جمرة امرأة جمرت البيت، فأصاب ستار الكعبة، فاحترق. والتجمير،هو من شعائر التقدير والتعظيم. وهو مما يدخل في الطقوس، وقد صرفت المعابد القديمة أموالاً على شراء "العود" وغيره لإحراقه في المجامر، لتطييب المذبح والمعبد به. وَكان البخور مما يبخر به في المعابد أيضاً. وقد استعمله الجاهليون في بيوتهم المعظمة كذلك.
وتلحق بالمعابد مواضع يخزن فيها ما يقدم إلى المعبد من هدايا ونذور، وما يرد اليه من غلات أوقافه. واذا كانت النذور والهدايا ماشية، فقد تحفظ في مواضع بعيدة عن المعبد،أو توضع في احماء المعابد لترعى بها. ولا يجوز التعرض لها بسوء. وتعلم بعلامات تشير إلى أنها مما حبس على الأصنام. وكانت لهبل خزانة للقرابين. وكان قربانه مئة بعير، وله حاجب يقوم بخدمته. وفي جملة ما أهداه الناس إلى أصنامهم السيوف والملاجئ، وكانوا يعلقونها أحياناً على الأصنام.
سدنة الآلهة
ولبيوت العبادة سدََنة وحجبة وخدم، يقومون كلهم بخدمة البيت وما فيه من أصنام. ويعبر في عربيتنا عن الذي يتولى أمر الصنم ب "السادن" و "سادن الصنم".
وهو المسؤول عن الصنم أو الأصنام، ومتولي أمرها. وهو المرجع الأعلى في سلسلة الرتب بالنسبة إلى المعابد. ويعبر عنه بلفظة "شوع" في المعينية، وبلفظة أخرى هي "رشو".وأما إذا كان السادن امرأة، فيقال لها "رشوت" "رشوة" عندئذ.
ويقال لسادن الآلهة "افكل" "أفكل" في اللحيانية. جاء "افكل لت" "أفكل لات" أي "سادن اللات". وتقابل هذه اللفظة لفظة "ابكلو" Apkallu في اللغة الأكادية.
وتعد السدانة من المنازل الدينية والاجتماعية الرفيعة عند الجاهليين. وبيد السادن في العادة مفتاح بيت الصنم أو الأصنام. وتكون وراثية في الأغلب تتنقل في أفراد العائلة من الأب الى ابنه الأكبر أو إلى غيره من البارزين في الأسرة. وهي منزلة شرف، تكسب صاحبها جاهاً، كما تكسبه مالاً، لما تأتي به اليه من حبوس ونذور وقرابين. لذلك صارت سبباً لوقوع خصومات بين الأسر، من أجل الاستحواذ عليها، كالذي حدث مراراً في مكة من أجل الحصول على مفاتيح البيت.
وسدنة الأصنام في الجاهلية قومتها وحجابها، وكانت السدانة واللواء بمكة لبني عبد الدار في الجاهلية، فأقرها النبي لهم في الإسلام. فكان اليهم أمر مفتاح البيت.
ومن قدماء من كانت اليهم ولاية أمر البيت الحرام أي سدانته،رجل زعموا انه ولي أمر البيت بعد جرهم، ودعوه "وكيع بن سلمة بن زهير "زهر" الإيادي". جعلوه سادناً، وجعلوه كاهناً، فنسبوا اليه سجعاً من نوع سجع الكهان. ذكر انه جمع إِياداً قبيل، وفاته فنصحها وأوصاها. وزُعم انه بنى صرحاً بمكة، وجعل فيه سلماً كان يرقاه ليناجي الله. وكان الجاهليون يرون انه صدّيق من الصدًيقين، وانه ينطق بالخبر اليقين مع السماء. وذكر انه صاحب الصرح المعروف بحزورة مكة، وانه هو القائل: "اسمعوا وصيتي: الكلام كلمتان،والأمر بعد البيان. من رشد فاتبعوه، ومن غوى فارفضوه، وكل شاة معلقة برجلها". فكان أول من قال هذه الكلمة، فذهبت مثلا.
ويذكر أهل الأخبار انه لما مات وكيع، نعي على الجبال. وفيه يقول بشير بن الحجير الإيادي: ونهن إياد عـبـاد الإلـه ورهط مناجيه في سلـم
ونحن ولاة الحجاب العتيق زمان النخاع على جرهم
ويفسرون زمان النخاع بأنه داء يقال له النخاع، سلّط على جرهم، فأفنى منهم ثمانين كهلاً في ليلة واحدة، سوى الشباب. وفي هذا الداء قال بعض العرب: هلكت جرهم الكرام فعالاً وولاة البنية الحـجـاب
نخعوا ليلة ثمانين كـهـلاً وشبابا ًكفى بهم من شباب
ويظهر ان داءً كان قد تفشى في عهد غير بعيد عن الإسلام بين جرهم، فبقيت ذكراه في النفوس. ولا بد ان يكون "وكيع بن سلمة" ممن عاشوا قبيل الإسلام أيضاً، فبقيت ذكراه في أهل مكة، وإلا لما حفظت الذاكرة اسمه. وقد ذكر أهل الأخبار أحياناً أسماء الأسر التي تولت سدانة البيوت المعظمة والمحجات،كما ذكروا أسماء السدنة، ولا سيما السدنة الذين كانت اليهم سدانة تلك البيوت عند ظهور الإسلام. وهم من أسر عريقة، توارثت هذا المنصب من عهد بعيد، وحافظت عليه، وصارت بذلك من أشراف القوم.
حرمة المعابد
ومع الحرمة التي كانت للمعابد، انتهك المستهترون وذوو الحاجة حرمتها، فسرقوا ما تمكنوا عليه من خزائنها. فقد سرقت خزانة الكعبة مراراً. ذكر أهل الأخبار أن سارقاً سرق من مالها في زمن جرهم،وانه دخل البئر التي فيها كنزها، فسقط عليه حجر فحبسه فيها حتى أخرج منها وانتزع المال منه. وسرقت قبيل بنيانها في أيام الرسول، سرقها فتيان من فتيان قريش وأودعوا المال عند "دويك" مولى لبني مليح بن عمرو من خزاعة. فقطعت قريش يده.