جارى العمل فى هذه الصفحة
***********************************************************************************************************
الجزء التالى للمؤرخ العلامة جــــواد عــلى فى موضع آخر من كتاب المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام دار العلم للملايين ، بيروت ، الطبعة الثانية الجزء الثالث 1980م الفصل الثاني والسبعون - الحج والعمرة ص 748 نقلنا هذه الصفحة بدون تغيير ولكننا وضعنا لكل فقرة عنوان
**********************************************************************************************************
معنى الحمس
وتفسير كلمة "الحمس" في رأي علماء اللغة التشدد في الدين، سمّوا حمساً،لأنهم كانوا يتشددون في دينهم، فكانوا اذا زوّجوا امرأة منهم لغريب عنهم، أي لمن كان من الحلة اشترطوا عليه ان كل من ولدت له، فهو أحمسي على دينهم. وكانوا اذا أحرموا لا ياًتقطون الاقط، ولا يأكلون السمن ولا يسلؤونه ولا يمخضون اللبن، ولا يأكلون الزبد،ولا يلبسون الوبر ولا الشعر ولا يستظلون به ما داموا حرماً، ولا يغزلون الوبر ولا الشعر ولا ينسجونه، وانما يستظلون بالأدم، ولا يأكلون شيئاً من نبات الحرم. وكانوا يعظمون الأشهر الحرم ولا يخفرون فيها الذمة ولا يظلمون فيها، ويطوفون بالبيت وعليهم ثيابهم. وكانوا اذا أحرم الرجل منهم في الجاهلية وأول الإسلام، فإن كان من أهل المدر نقب نقباً في ظهر بيته فمنه يدخل ومنه يخرج ولا يدخل من بابه. وكانوا يقولون: لا تعظموا شيئاً من الحل، ولا تجاوزوا الحرم في الحج فلا يهاب الناس حرمكم، ويرون ما تعظمون من الحل كالحرم، فقصروا عن مناسك الحج والموقف من عرفة وهو من الحل، فلم يكونوا يقفون به ولا يفيضون منه، وجعلوا موقفهم في طرف الحرم من نمرة: يقفون به عشية عرفة، ويظلون به يوم عرفة في الأراك من نمرة، ويفيضون منه إلى المزدلفة. فإذا عممت الشمس رؤوس الجبال دفعوا. وكانوا يقولون: نحن أهل الحرم، لا نخرج من الحرم،ونحن الحمس.
وكانوا اذا أرادوا بعض أطعمتهم ومتاعهم، تسوّروا من ظهر بيوتهم وأدبارها حتى يظهروا على السطوح، ثم ينزلون في حجرتهم، ويحرمون ان يمروا تحت عتبة الباب. فهم يحرمون اذن اشياء لم تكن العرب تحرمها.
والحارث بن عبد مناة بن كنانة. ومدلج بن مرة بن عبد مناة بن كنانة، بنزولهم حول مكة. وعامر بن عبد مناة بن كنانة. ومالك، وملكان، ابنا كنانة، وثقيف، وعدوان، ويربوع بن حنظلة. ومازن بن مالك بن عمرو بن تميم. وأمهما جندلة بنت فهر بن مالك بن النضر. ويقال: ان بني عامر كلهم حمس لتحمس اخوتهم من بني ربيعة بن عامر. وعلاف، وهو رباّن بن حلوان ابن عمران بن الحاف بن قضاعة. وجناب بن هبل بن عبد الله من كلب. وأمه آمنة بنت ربيعة بن عامر بن صعصعة. وأمها مجد بنت تيم الأدرم ين غالب ابن فهر".
ويتبين مما تقدم ان "الحمس"، لم يكونوا قريشاً وحدهم وسكان الحرم، وانهم لم يكونوا جماعة قامت وظهرت على رابطة الدم والنسب، كما هو الحال بالنسبة إلى القبيلة. بل هم قريش وكل من نزل الحرم وسكن مكة، وطواثف من العرب شاركت قريشاً في مناسك حجها، وسارت على نهجها في الحج، وشاطرتها الرأي في دينها. وقد ذكر " الجاحظ" ان "عامر بن صعصعة"، و "خزاعة" و "ثقيفاً"، والحارث بن كعب، كانوا ديّانين، أي على رأي ودين. وكانوا على دين قريش. وقال غيره: "وصارت بنو عامر من الحمس وليسوا من ساكني الحرم لأن امهم قرشية. وهي مجد بنت تيم بن مرة. وخزاعة إنما سميت خزاعة، لأنهم كانوا من سكان الحرم فخزعوا عنه، أي خرجوا. ويقال انهم من قريش انتقلوا ببنيهم إلى اليمن. وهم من الحمس ".
وقد ميزّ بعض العلماء بين "الحمس" وهم نزلاء الحرم، وبين المتحمسين الذين دخلوا في الحمس، لأن أمهاتهم من قريش، بأن أطلقوا عليهم لفظة "الأحامس". فقالوا: "والأحماس من العرب الذين أمهاتهم من قريش "،. وجاء. في بعض الأخبار ان "غطفان."، لما اتخذت لها بيتاً أرادت به مضاهاة الكعبة، وجعلت له حرماً كحرم مكة. أغار "زهير بن جناب الكلبي" عليه.
وصف التحمس
وقد وصف "ابن معد" "التحمس" بقوله: "والتحمس أشياء أحدثوها في دينهم تحمسوا فيها، أي شددوا على أنفسهم فيها، فكانوا لا يخرجون من الحرم اذا حبّوا، فقصروا عن بلوغ الحق، والذي شرع الله، تبارك وتعالى، لابراهيم وهو موقف عرفة، وهو من الحل، وكانوا لا يسلؤون السمن ولا ينسجون مطال الشعر، وكانوا أهل القباب الحمر من الأدم، وشرعوا لمن قدم من الحاج ان يطوف لم بالبيت وعليه ثيابه ما لم يذهبوا إلى عرفة، فإذا رجعوا من عرفة لم يطوفوا طواف الإفاضة بالبيت إِلا عراة أو في ثوب أحمسيّ وان طاف في ثوبه لم يحلّ له ان يلبسهما ".
وللجاحظ ملاحظات قيمةعن قريش لها صلة بالتحمس، وقد تفسر لنا معنى التحميس بسبب شموله أناساً هم من غير قريش.
ذكر ان الإسلام لما ظهر، لم تكَن هنالك أية امرأة قرشية، كانت مسبية عند غير قريش. ولم تكن هنالك أية امرأة مسبيهّ فىِ أي سبي القبائل وأمها من قريش. ويذكر أيضاً ان قريشاً لم تكن تزوج بناتها من أبناء أشراف القبائل حتى تشترط عليهم ان من تلد منهن، فيكون من يكون من الحمس. أما هم، فكانوا اذا تزوجوا من بنات قبائل أخرى، فإنهم لم يشرطوا على أنفسهم أي شرط، وكان من هذه القبائل عامر بن صعصة وثقيف وخزاعة والحارث بن كعب، "وكانوا ديّانين". وَ كانوا على دين قريش في امورها. وكانت قريش كريمة، ولم ترض بالغارات والغزو ولا بالظلم ولم تقبل بالوأد ولا بالدخول.ممن يقع في أيديهم أسرى من النساء. وكان من فضائلهم ان منّ الله عليهم بالإيلاف. فأغناهم وجعلهم "لقاحأَ".. فلم يخضعوا لمالك ولم يستعبدهم سلطان أجنبي. ولم يدفعوا أي سة يء عنهم لملك منّ الملوك. بل كانت الملوك تأتي إلى مكة وتعظم البيت وتحترم سكانه. وهم قريش الحمس.
ويظهر من ملاحظات الجاحظ المذكورة، ان من أهم مبادىء الحمس، نبذ الغارات، أي الغزو، حتى جعلته قريش ركناً من أركان دينها. كما تمسكت بركن آخر، هو عدم الدخول بمن يقع في أيديهم من النساء السبايا في حالة ما اذا أغارت قبيلة عليهم، واعتدت عليهم، فانتصرت قريش عليها، وأخذت منها سبايا. اما الحمس الآخرون، مثل عامر بن صعصعة وثقيف والحارث بن كعب، وأمثالهم ممن تحمسوا، فلم يتمسكوا بهذه الأصول. وذكر "ابن الفقيه" ان القبائل المذكورة لم تكن في الأصل حمساً على دين قريش، وانما تحمست وصارت من الحمس بتاًثير قريش عليها. وقريش تمسكوا وحدهم بالحمس،"وصاروا بأجمعهم تجاراً خلطاء". وقد عرفت مكة ب "دار الحمس"، كما جاء ذلك في شعر ينسب إلى "الكاهن اللهبي". وعرفت قريش ب "أهل الله".
ونجد بين "الحمس" والحرم صلة متيتة، تشير إلى الأصل الديني للحمس والى ارتباطهم بالكعبة. فذهب "الزمخشري" إلى ان "حمس" من "حرم" ومن دلائل هذه الصلة أيضاً مما ورد في كتب أهل الأخبار من ان الكعبة كانت قد عرفت ب "الحمساء". سميت بذلك "لأن حجرها أبيض إلى السواد". ومن ان "الحمس" هم نزلاء الحرم. فبين الحمس والحرم، صلة متينة اذن. حتى قيل ان المنسوب الى الحرم من الناس "حرمي". و "ان عياض بن حمار المجاشعي، كان حرمي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فكان اذا حج طاف في ثيابه. وكان أشراف العرب الذين يتحمسون على دينهم، أي يتشددون اذا حج أحدهم لم يأكل إلا طعام رجل من الحرم: ولم يطف إلا في ثيابه.
فكان لكل رجل من أشرافهم رجل من قريش. فيكون كل واحد منهما حرمي صاحبه". ويفسر لنا هذا المعنى أيضاً قولهم: "رجل حرام: داخل في الحرم"،و" الحرم بالكسر الرجل المحرم. يقال: أنت حل وانت حرم". وقد أنجب الزواج المشروط بين قريش وبين من يتزوج منها حمساً جدداً، انتقل الحمس اليهم عن طريق "شرط عقد الزواج" من جهة الأمهات. أمها نسل هؤلاء الحمس الجدد، الذين هم فيِ الواقع أنصاف أحماس، فقد صار حمساً مثل قريش، لأنهم ولدوا من والد حسب من الحمس ومن والدة أحمسية. وبذلك لم يعد الحمس أهل مكة وحدهم، بل شمل أهل مكة ومن تزوج مكّيات فاًنجين ولداً، عدّوا حمساً بشرط العقد.
وتذكر بعض الروايات ان عقيدة "الحمس" لم تكن قديمة، بل ظهرت قبيل الإسلام. " قال ابن اسحاق: كانت قريش لا أدري قبل الفيل أو بعده، ابتدعت أمر الحمس رأياً. فتركوا الوقوف على عرفة والإفاضة منها،وهم يعرفون ويقرون انها من المشاعر والحج، إلا انهم قالوا: نحن أهل الحرم، ونحن الحمس. والحمس أهل الحرم. قالوا: ولا ينبغي للحمس ان يتأقطوا الأقط ولا يسلؤوا السمن، وهم حرم، ولا يدخلوا بيتاً من شعر، ولا يستظلوا إن استظلوا إلا في بيوت الأدم ما كانوا حرماً، ثم قالوا: لا ينبغي لأهل الحل ان يأكلوا من طعام جاءوا به من الحل الى الحرم اذا جاءوا حجاجاً أو عمّاراً، ولا يطوفوا بالبيت اذا قدموا أول طوافهم إلا في ثياب الحمس". ولم تذكر هذه الرواية سبب ظهورها، ولا من أوجدها من رجال قريش.
ويتبين من غربلة ما ذكره أهل الأخبار عن الحمس، ان الحمس هم أهل مكة الأحرار في الأصل، ثم من دان بدينهم. وجدوا أنفسهم في ضنك شديد، في واد غير ذي زرع، لا شيء عندهم غير "البيت"، فتحمسوا في دينهم وتشددوًا وتعاونوا فيما بينهم على العمل معاً، وعلى الدعوة إلى عبادة رب البيت واقراء الضيف والامتناع عن غزو غيرهم، وعن التحرش بأحد، إلا اذا تحرش بهم، وعلى إغاثة الملهوف ومساعدة من يأت البيت حاجاً أو معتمراً أو قاصداً تجارة، وتقديم الرفادة له. ونصرة الغريب. وحافظوا على الحرمات: حرمة البيت وحرمة الحج وحرمة الأشهر الحرم، ووضعوا لأنفسهم قواعد صارمة في آداب السلوك في موسم الحج وفي غيره، تشعر انهم كانوا ينظرون إلى أنفسهم كانهم "جنس"، فضله الله على بقية أجناس العرب، لهم مناسكهم، ولبقية العرب مناسكهم، ولهم قباب خاصة يضربونها لأنفهسهم في سوق عكاظ وفي المواضع الأخرى تميزهم عن سائر من يفد إلى هذه المواضع،وترفّعوا عن مصاهرة سائر الناس إلا اذا وجدوا انهم أكفاء لهم، والكفاءة: القوة والمال. وأقاموا مجتمعهم الخاص هذا على قواعد دينية تعاونية. اقتصادية "صاروا بأجمعهم تجاراً خلطاء". شعارهم انهم "أهل الله"، دينهم " التحمس والتشدد في الدين، فتركوا الغزو كراهة للسبي واستحلال الأموال، فلما زهدوا في الغصوب لم يبق مكسبة سوى التجارة: فضربوا في البلاد إلى قيصر بالروم، والنجاشي بالحبشة، والمقوقس بمصر، وصاروا بأجمعهم تجاراً خلطاء ".
الإيلاف
وكان ان تفردوا بالإيلاف، وللايلاف ارتباط بالحمس، وتوجهوا إلى التجارة والاتجار، وجمعوا بين الدين والمال، وأفسحوا المجال لمن به نشاط وهمة ان يجمع مالاً وأن يكون غنياً على ان يساهم بنصيبه في تحمّل أعباء مجتمعهم، للدفاع عن "بيت الله" ولكسب المتحالفين معهم وتوزبع العدل فيما بينهم، توزيعاً يخفف من حدة التفاوت فيما بين الغني والففير، حتى لا يقع اخلال في التوازن بين طبقات المجتمع، يحمل الفقراء على انتزاع المال من الأغنياء كرهاً وقسراً. وجعلوا ذلك واجباًَ من واجباتهم، فحثوا على رفع الظلم، واتخذوا السقاية والرفادة، وعقدوا "حلف الفضول" للدفاع عن المحتاج، وجعلوا "الإيلاف" الذي سأتكلم عنه في الجزء الخاص بالحياة الأقتصادية، سبباً من أسباب اشاعة الرحمة ومساعدة الفقراء وتخفيف وطأة الفقر في هذه القرية: "أم القرى"، وفي ذلك يقول "مطرود بن كعب الخزاعي" في رثائه عبد المطلب: يا أيها الرجل المحول رحـلـه ألا نزلت بآل عبـد مـنـاف
هبلتك أمك لو نزلت علـيهـم ضمنوك من جوع ومن إقرافّ
الاخذون العهد من آفـاقـهـا والراحلون لـرحـلة الإيلاف
والمطعمون اذا الرياح تناوحت ورجال مكة مسنتون عجـاف
والمفضلون اذا المحول ترَادفَت والقائلون هلـم لـلأضـياف
والخالطون غنيهم بفقـبـرهـم حتىّ يكون فقيرهم كالكافـي
كانت قريش بيضة فتفلـقـت فالمحّ خالصة لعبـد مـنـافِ
قام رجال من رجال مكة بالانفاق على المحتاجين،فعدّوا ذلك ديناً ومروءة وشهامة. فكان "نعيم بن عبد الله" العدوي، ينفق على أرامل بني عدي وأيتامهم. وكان "حكيم بن حزام" ينفق من أْرباحه على المحتاجن من آله وذويه. وكان صديق النبي قبل المبعث، وتذكر كتب السير والتراجم أسماء رجال آخرين عرفوا بتصدقهم على الفقراء والمحتاجن، اعتبروها منقبة وقربة لهم في الجاهلية، وقد أقرهم الرسول عليها.
فالحمس "أهل اللّه"، وأمته، تجمعهم عبادة الله والأصنام، والمناسك والشعائر التي وضعوها لهم، والتجارة التي جلوها مثل شعائر دينهم، ينفقون من أرباحهم منها في سبيل "الله". أي بيت الله وأهله المستضعفون، حتى جعلوا الصدقة وإطعام المحتاج من أمور الدين. فمجتمعهم مجتمع جمع بين الدين والتجارة، وبين الديات والمال. حثهم على التعاون بخلط رؤوس أموالهم و الاتجار معاً يقوافل، وفيه ربح كبير مضمون، وحثهم على إنصاف من ليس له شيء حتى يصير مكتفياً غير محتاج، لا يوجه عينه نحو غيره حسداً وحقداً. شعار هذا المجتمع الله والأصنام والحج والتجارة، مجتمع لم يكن يخلو بالطبع من أحامس بخلاء، شذوا عن الطريق، واغتصبوا أموال الفقراء، كما هو الحال في كل مجتمع بشري.