***********************************************************************************************************
الجزء التالى للمؤرخ العلامة جــــواد عــلى فى موضع آخر من كتاب المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام دار العلم للملايين ، بيروت ، الطبعة الثانية الجزء الثالث 1980م الفصل الثاني والسبعون - الحج والعمرة - نقلنا هذه الصفحة بدون تغيير ولكننا وضعنا لكل فقرة عنوان
****************************************************************************************************************************
مكتفياً غير محتاج، لا يوجه عينه نحو غيره حسداً وحقداً. شعار هذا المجتمع الله والأصنام والحج والتجارة، مجتمع لم يكن يخلو بالطبع من أحامس بخلاء، شذوا عن الطريق، واغتصبوا أموال الفقراء، كما هو الحال في كل مجتمع بشري.
وقد اقتصرت "قريش"، وهم من الحمس، على استعمال القباب المصنوعة من الأدم لا يضربها غيرها ب "منى". لأنهم " كانوا لا ينسجون مظال الشعر، وكانوا أهل القباب الحمر من الأدم". وقد استعمل الرسول في حجه هذا النوع من القباب. ولا بد أن يكون لاقتصار قريش على استعمال هذا النوع من القباب دون غيرها في هذا الموضع،سبب ما، الأرجح انه عامل ديني واجتماعي. ويلاحظ انه كان للقباب الحمر ذكر خطير، وجاه عظيم في نظر الجاهليين.،فكان أصحابها يفتخرون على غيرهم بأنهم "أهل القباب الحمر"، وقد كان الملوك والسادة يضربون لأنفسهم القباب الحمر. فهي من امارات الجاه والمكانة والنفوذ.
حمس أحد آلهة العرب الوثنيين
ويظهر من بعض الأسماء أو الجمل التي وردت فيها كلمة "حمس" و "حمس" ان هذه الكلمة هي نعت أو اسم من أسماء الآلهة عند الجاهليين في الأصل، ثم تغير معناها بعد ذلك فصارت على النحو الذي ذكره علماء اللغة نقلاً عن الروايات التي ترجع ذلك المعنى الى الجاهلية المتصلة بالإسلام. ففي الأسماء الواردة إلينا: "أحمس الله"، و "بنو أحمس"، و "أبو أحمس"، و "الأحامس" ؛ ما يفيد ان الأصل بعيد جداً عن المعنى الذي فهمه وذهب اليه أهل الأخبار، وان للكلمة معنْى دينياً خاصاً قديماً، هو التشدد في الدين والتمسك به، وبعبادة الصنم، والمحافظة على سنّة الإباء والأجداد مع تصلب وتقشف.
والأحماس من العرب الذين أمهاتهم من قريش، صاروا من الحمس بسبب أمهاتهم.
هذا وقد نزل الوحي بتنظيم الحج وفق مبادىء الإسلام، فاباح للحجاج ما كانت الحمس حرمته على نفسها من طعام الحج إلا طعام أحمسى، على نحو ما ذكرت قبل قليل. وما ذكر من ان قوماً كانوا. قد حرًموا على أنفسهم ما يخرج من الشاة لبنها وسمنها ولحمها، اذا حجوا أو اعتمروا. كما نزل بوجوب ستر العورة ولبس الإحرام في الحج، وذلك بالنسبة إلى المحلّين، وأغلبهم من الأعراب ومن الفقراء، حيث كانوا يطوفون عراة، وفي ضمنهم النساء. فنزل الوحي به: ) يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد، وكلوا واشربوا ولا تسرفوا، انه لا يحب المسرفين(. ونهوا عن ذلكْ. وذكر عن أبي هريرة انه قال: " بعثني أبو بكر الصديق في الحجة التي أمره عليها رسول اللّه، صلى الله عليه وسلم، قبل حجة الوداع في رهط يؤذنون في الناس يوم النحر، لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ".
الدخول من الباب
كما نزل الوحي بجواز دخول الحجاج بيوتهم وخيامهم وما يأوون اليه من بيوتها، من أبوابها، لا كما كان يفعل بعضهم في الجاهلية وفي أول الإسلام، من انه اذا أحرم الرجل منهم بالحج أو العمرة لم يدخل حائطاً ولا بيتاً ولا داراً من بابه، فإن كان من أهل المدن نقب نقباً في ظهر بيته منه يدخل ويخرج أو يتخذ سلماً فيصعد فيه،وإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخيمة والفسطاط ولا يدخل من الباب حتى يحل من احرامه ويرون ذلك ذماً، إلا ان يكون من الحمس. وهم: قريش وكنانة وخزاعة وثقيف وخثعم وبنو عامر بن صعصعة، وبنو النضر بن معاوية. نزل الوحي بذلك في الاية: )وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها، و لكن البر من اتقى، وأتوا البيوت من أبوابها، و اتقوا الله لعلكم تفلحون(.
وقد ذهب بعض أهل الأخبار والسير إلى ان الآية المذكورة، نزلت في أمر الحمس،" لأن الحمس لا يدخلون تحت سقف ولا يحول بينهم وبين السماء عتبة باب ولا غيرها، فان احتاج أحدهم الى حاجة في داره تسنم البيت من ظهره، ولم يدخل من الباب". وذهب المفسرون إلى انها نزلت في الأنصار، فقد كانوا اذا حجّوا فجاءوا لا يدخلون من أبواب بيوتهم، ولكن من ظهورها، فجاء رجل فدخل من قبل بابه، فكأنه عير بذلك، فنزلت هذه الآية. وورد: "كانت قريش تدعى الحمس، وكانوا يدخلون من الأبواب في الاحرام،وكانت الأنصار وسائر العرب لا يدخلون من باب في الاحرام، فبينما رسول الله، صلى اللّه عليه وسلم، في بستان، إذ خرج من بابه وخرج معه قطبة بن عامر الأنصاري، فقالوا: يا رسول الله: إن قطبة بن عامر رجل فاجر، وانه خرج معك من الباب فقال له: ما حملك على ما صنعت ? قال: فإنّ ديني دينك ! فأنزل الله: )وليس البر بأن تاًتوا البيوت من ظهورها (. وقد أغفلت بعض الروايات اسم من كان لا يدخل البيوت من أبوابها، بأن قالت: " كان أهل الجاهلية يأتون البيوت من ظهورها ويرونه براً "، أو "، كانوا في الجاهلية اذا أحرموا أتوا البيوت من ظهورها، ولم يأتوا من أبوابها"، أو " إن ناساً كانوا اذا أحرموا لم يدخلوا حائطا من بابه ولا داراً من بابها أو بيتاً"، أو " كان ناس من أهل الحجاز، اذا أحرموا لم يدخلوا من أبواب بيوتهم ودخلوها من ظهورها "، وذكر ان من كان يفعل ذلك، فانما يفعله،لأنهم كانوا يتحرجون من ان يكون بينهم وبين السماء حائل.
وقد جعل "اليعقوبي" العرب في الجاهلية على دينين: دين الحمس ودين الحلة. وذلك بالنسبة للمشركين. وذكَر ان منهم من دخل في دين اليهودية وفي النصرانية، ومنهم من تزندق وقال بالثنوية، وبهذه الفرق حصر "اليعقوبي" أديان أهل الجاهلية. إذ قال: " فهاتان الشريعتان اللتان كانت العرب عليهما. ثم دخل قوم من العرب في دين اليهود، وفارقوا هذا الدين. ودخل آخرون في النصرانية، وتزندق منهم قوم، فقالوا بالثنوية".
والتعميم الذي يطلقه "اليعقوبي" وبقية المؤرخين والأخباريين في قولهم "وكانت العرب في أديانهم"، لا يمكن التسليم به، إلا بالنسبة لأهل مكة ولمن كان يقصدهم من العرب. أما بالنسبة لجميع العرب، فهذا ما لا يمكن التسليم به.
وأما "الطلس"، فقد وصفهم "محمد بن حبيب" بقوله إنهم: "بين الحلة والحمس: يصنعون في إحرامهم ما يصنع الحلة، ويصنعون في ثيابهم ودخولهم البيت ما يصنع الحمس. وكانوا لا يتعرون حول الكعبة، ولا يستعيرون ثياياً، وبدخلون البيت من أبوابها، وكانوا. لا يثدون بناتهم، وكانوا يقفون مع الحلة ويصنعون ما يصنعون". وهم سائر أهل اليمن، وأهل حضرموت، وعك وعجيب، وإياد بن نزار.
الزاد والحج - - المتوكلة
وذكر ان من الحجاج من كان يحج بغير زاد، وان منهم من كان اذا أحرم رمى بما معه من الزاد، واستأنف غيره من الأزودة، وان "قبائل من العرب يرمون الزاد اذا خرجوا حجاجاً وعمّاراً، فنزل الوحي: "وتزودوا فإن خير الزاد التقوى"، فأمر من لم يكن يتزود منهم بالتزود لسفره، ومن كان منهم ذا زاد ان يتحفظ بزاده فلا يرمي به. وقد عرف هؤلاء ب "المتوكلة"، لتوكلهم على "رب البيت" في اطعام أنفسهم، واعتمادهم في ذلك على السؤال.
وقد ذكر علماء التفسير ان الآية: )وتزودوا فإن خير الزاد التقوى( نزلت "في طائفة من العرب كانت تجيء إلى الحج بلا زاد، ويقول بعضهم: كيف نحج بيت الله ولا يطعمنا، فكانوا يبقون عالة على الناس، فنهوا عن ذلك، وأمروا بالزاد. وكان للنبي صلى الله عليه وسلم في مسيره راحلة عليها زاد، وقدم عليه ثلثمائة رجل من مزينة، فلما أرادوا ان ينصرفوا قال: يا عمر زوّد القوم..... كما روى البخاري عن ابن عباس قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون: نحن المتوكلون، فإذا قدموا مكة سألوا الناس".
ويظهر مما تقدم ان "المتوكلة" لم يكونوا جميعاً من الفقراء المحتاجين، بل كان منهم قوم أغنياء فضل الله عليهم، بدليل انهم كانوا اذا حجوّا رموا زادهم، أو أعطوه للمحتاج اليه، يفعلون ذلك ديانة وتقرباً الى الله، كما فعل "المتوكلة" من بعدهم في الإسلام. فهم اذن طائفة من الطوائف الجاهلية المتدينة، ترى ان التقشف في الحج، يزيد في ثوابه، ويقرب أصحابه الى رب البيت.
الثياب / الإحرام - إزار و وشاح
ويريد أهل الأخبار بالثياب "الإحرام" على ما يظهر. وهو قديم وقد عرف عند غير العرب أيضاً. وهو محاكاة لملابس رجال الدين الذين يخدمون المعابد، ويتقربون إلى الآلهة. وهو يتكون من قطعتين من: إزار ومن وشاح. ويكون أبيض اللون. واللون الأبيض من الألوان التي تعبر عن معان دينية. فقد كان رجال الدين والكهنة يلبسون الثياب البيض. كما انه شعار الحزن عند بعض الشعوب، وفي جملتهم عرب الحجاز. ويظهر ان أهل مكة وهم قريش، كانوا يلبسون الإحرام، أو يكرهونه لغيرهم من العرب أو يعيرونه لهم إن كانوا من حلفائهم، فيحرمون كإحرام قريش. أما من لم يتمكن من الحصول على الإحرام، فقد كان يضطر بحكم الضرورة إلى الطواف عرياناً على نحو ما يقصه علينا أهل الأخبار.
أما بالنسبة إلى أهل العربية الجنوبية من معينيين وسبئيين وقتبانيين وحضرميين، فإننا لا نستطيع ان نتحدث عن سنة الطواف حول المعابد عندهم، لعدم ورود شيء عن ذلك في النصوص الواصلة إلينا. ولكني لا أستبعد احتمال طوافهم حول بيوت أصنامهم على نحو ما كان يفعله أهل الحجاز، لأن الطواف حول بيوت الأصنام أو حول الصنم من السنن الشائعة بين العرب وعند جماعات من بني إرم والنبط.