Encyclopedia - أنسكلوبيديا 

  موسوعة تاريخ أقباط مصر - Coptic history

بقلم المؤرخ / عزت اندراوس

أ

 إذا كنت تريد أن تطلع على المزيد أو أن تعد بحثا اذهب إلى صفحة الفهرس تفاصيل كاملة لباقى الموضوعات

أنقر هنا على دليل صفحات الفهارس فى الموقع http://www.coptichistory.org/new_page_1994.htm

Home
Up
Untitled 8309
Untitled 8108
Untitled 8109
Untitled 8110
Untitled 8111
Untitled 8112
Untitled 8113
Untitled 8114
Untitled 8115
Untitled 8116
Untitled 8117
Untitled 8118
Untitled 8119
Untitled 8120
Untitled 8121
Untitled 8122
Untitled 8123
Untitled 8124
Untitled 8125
Untitled 8126
Untitled 8127
Untitled 8128
Untitled 8129
Untitled 8130
Untitled 8131
Untitled 8132
Untitled 8133
Untitled 8134
Untitled 8135
Untitled 8240
Untitled 8242
Untitled 8243
Untitled 8244
Untitled 8245
Untitled 8246
Untitled 8247

 

تاريخ الحروم القبطية وموسوعة جينيس للأرقام القياسية سبحي 

الكنيسة القبطية تحرم الأخوة الطوال وأكثر من 300 راهب

 

 

فرق بين الراعي و الاجير فرق بين المتواضع و المتكبر فرق بين المحب و الجحود فرق بين المتسامح و المنتقم فرق بين ابن الله و ابن العالم فرق بين الاب و الغريب فرق بين الروحاني و العالمي فرق بين الحنون و المتجبر فرق بين القوي و المستقوي فرق بين المؤمن و ناكر الايمان فرق بين البازل و المترفه فرق بين الناسك و المتنعم فرق بين كلام الروح و كلام العالم فرق بين ابن الكنيسه وابن المنحرفين فرق بين ابن الملك و ابن الشيطان فرق بين القديس و التليس



9 وقالَ لَهم: إنَّكُم تُحسِنونَ نَقْضَ وَصِيَّةِ الله لِتُقيموا سُنَّتَكم!

تشير هذه العبارة " إنَّكُم تُحسِنونَ نَقْضَ " باليونانية Καλῶς ἀθετεῖτε (معناها تنقضون حسناً) الى التفاف الفريسيين حول الوصية وتحايلهم بخبث عليها" أمَّا عبارة "إنَّكُم تُحسِنونَ نَقْضَ وَصِيَّةِ الله لِتُقيموا سُنَّتَكم!" فتشير الى قول يسوع عن الفريسيين بأنهم يعرفون الكثير عن الله، لكنهم لم يعرفوا لله، لأنهم لم يتجاوبوا مع الله نفسه. فهناك تمييز بين التقليد الحرفي القاتل الذي يناقض الوصية وبين ما حمله التقليد من تراث روحي أصيل أو تدبير تعبدي جميل كالليتورجيا اليهودية بما حملته من تسابيح ومزامير... إلخ

10 فقد قالَ موسى: أَكرِمْ أَباكَ وأُمَّكَ، ومَن لعَنَ أَباه أَو أُمَّه، فلْيَمُتْ مَوتاً

تشير عبارة " أَكرِمْ أَباكَ وأُمَّكَ " الى الاستشهاد بوصية موسى تجاه الوالدين من ناحية إيجابية "أَكرِمْ أَباكَ وأُمَّكَ " (خروج 20: 12) وهي الوصية الرابعة. فالشريعة؛ أمَّا عبارة " مَن لعَنَ أَباه أَو أُمَّه، فلْيَمُتْ مَوتاً" فتشير إلى وصية موسى تجاه الوالدين من ناحية سلبية " مَن لَعَنَ أَباه أَو أُمَّه، فلْيُقتَلْ قَتلاً " (خروج 21: 17).

11 وأَمَّا أَنتُم فتَقولون: إِذا قالَ أَحَدٌ لِأَبيه أَو أُمِّه: كُلُّ شيءٍ قد أُساعِدُكَ به جَعَلتُه قُرباناً

تشير عبارة "أَمَّا أَنتُم" الى مفاضلة بين وصية الله وتقاليد البشر. أمَّا عبارة " كُلُّ شيءٍ قد أُساعِدُكَ به جَعَلتُه قُرباناً" فتشير الى سُنة الشيوخ اتلي كانت تعفي المرء من واجب مساعدة أبيه وأمه إذا نذر أن يقدّم لخزانة لهيكل ما يحتاجان اليه (مرقس 7: 11). فاتخذ الفريسيون باسم الله مبررا لعدم معاونتهم لعائلاتهم، وبخاصة والديهم. وكانوا يظنون ان وضع الاموال في خزانة الهيكل أهم من مساعدة والديهم المحتاجين، مع ان شريعة الله تأمر بإكرام الآباء والامهات (خروج 20:12)، والعناية بالمحتاجين (الاحبار 25: 35-43). فقد استند معلمو الشريعة الى الكتاب المقدس (عدد 3:1-2) الذي يتكلم عن نذر القربان، وفسروا النص تفسيرا يتعارض مع روح الوصية أكرم اباك وأمك. أمَّا عبارة " قُرباناً" كلمة من أصل عبري קָרְבָּן (معناها تقدمة او منحة مكرسة لله) فتشير الى ما يقدَّم لله (حزقيال 20:28)، ثم الى خزانة الهيكل (متى 27: 6). وبالقربان يكرِّس المؤمن لله خيرات كان بإمكانها ان تسعف والديه في الحاجة بتلك العبارة الشرعية الدينية، كان اليهود يكرسون لله أموالا يجب تخصيصها لإعالة الوالدين الطاعنين في السن او المُعوزين. وكان يمكن اجراء تقديم القربان بشكل رمزي بدون دفع أي مبلغ، او كان يمكن تأجيل الدفع الى ما بعد موته؛ وذكرت المشناه "أن على الأب أن يسكت إذا نذر الابن ما له للهيكل". ووضع الرابيون احدى عشر فصلا في المشناه بخصوص والقرابين. وكانت هذه الممارسة موضع نقاش حاد في الدين اليهودي حتى قبل المسيح، لان الشعور بالتضامن في الاسرة كان شديداً. ورفض يسوع استعمال الكتاب المقدس من اجل إبطال وصية الهية. علينا ان لا نتخذ من التفسير الخاطئ لكلمة الله مبرراً لإهمال مسؤولياتنا، فإكرام الوالدين ومعاونة المحتاجين من أهم الوسائل لإكرام الله.

12 فإِنَّكم لا تَدَعونَه يُساعِدُ أَباه أَو أُمَّه أَيَّ مُساعَدة

تشير عبارة " لا تَدَعونَه يُساعِدُ أَباه أَو أُمَّه أَيَّ مُساعَدة" الى اعفاء الانسان من مدّ يد العون الى والديه إذا نذر ان يقدِّم لخزانة الهيكل الخيرات الضرورية لمساعدتهما، ولكنه يستطيع ان يستفيد من هذا القربان طوال حياته، وهكذا صارت الوصية بدون معنى، وكأنها لم تكن.

13 فَتنقُضونَ كلامَ الله بِسُنَّتِكمُ الَّتي تَتَناقلونَها. وهُناكَ أَشياءُ كثيرةٌ مِثلُ ذلكَ تَفعَلون

تشير عبارة " فَتنقُضونَ كلامَ الله " الى تفسير معلمي الشريعة نص الكتاب المقدس الذي يتكلم عن نذر القربان (عدد 30: 1-2)، وهذا التفسير يتعارض مع روح الوصية. فلا يجوز إبطال وصية إلهية. أمَّا عبارة "تَتَناقلونَها" فتشير الى الفريسيون والكتبة الذين كان يتناقلون السنن ويسلمونها الى سواهم. لقد حرّر الربّ يسوع الآن الناس من القوانين الّتي لا يمكن أبداً أن تُقدّسهم. أمَّا عبارة " وهُناكَ أَشياءُ كثيرةٌ مِثلُ ذلكَ تَفعَلون " فتشير الى تنديد يسوع للفريسيين "الوَيلُ لكم أَيُّها الفِرِّيسِيُّونَ، فإِنَّكم تُؤَدُّونَ عُشْرَ النَّعنَعِ والسَّذابِ وسائِرِ البُقول، وتُهمِلونَ العَدلَ ومحبَّةَ الله. فهذا ما كانَ يَجبُ أَن تَعمَلوا بِه مِن دونِ أَن تُهمِلوا ذاك" (لوقا 11: 42).

14 ودعا الجَمعَ ثانِيةً وقالَ لَهم: أَصغوا إِليَّ كُلُّكُم وافهَموا

تشير عبارة " الجَمعَ " الى جماهير الشعب اتي يوجه يسوع كلامه إليهم بعد ان كان يتكلم الى الفريسيين. أمَّا عبارة " أَصغوا إِليَّ" فتشير الى الطاعة الى يسوع. أمَّا عبارة " افهَموا " الى اقتناع السامعين والالتزام بتعليم يسوع وطاعته وما هو مطلوب تجاهه كما هو الامر في شان الطهارة. وشرح السيد المسيح للشعب أن سر الحياة والقداسة لا يكمن في الأعمال الخارجية الظاهرة وإنما في الحياة الداخلية وهذا عكس ما ينادى به الفريسيين إذ تركوا نقاوة القلب مهتمين بغسل الأيادي.

15 ما مِن شَيءٍ خارجٍ عنِ الإِنسان إِذا دخَلَ الإِنسانَ يُنَجِّسُه.

تشير عبارة " إِذا دخَلَ الإِنسانَ يُنَجِّسُه " الى نظام جسم الإنسان بحيث الذي يستفيد من كل ما هو صالح في الطعام ويلقى بما هو نجاسة في الطعام خارج الجسم. طالما كان القلب طاهرًا لا تستطيع الأطعمة أن تنجسه لأنها تدخل إلى جوف الإنسان، فما كان منها مفيدًا يتحول إلى أنسجة جديدة، وما كان منها ضارًا يخرج إلى الخلاء، ولا ترتبط النجاسة والطهارة بتجاوز شرائع خارجية بل ترتبط بالقلب حيث لا يمكن لشيء خارجي ان يدنِّس الانسان. وهذا الموضوع له دور رئيسي في الدين اليهود المعاصر ليسوع (أحبار 11-16).

16 ولكِن ما يَخرُجُ مِنَ الإِنسان هو الَّذي يُنَجِّسُ الإِنسان.

تشير عبارة " ما يَخرُجُ مِنَ الإِنسان هو الَّذي يُنَجِّسُ الإِنسان" الى الشر الكامن في باطن الانسان، وما ينجسه هو ما يقوله: اقوال جارحة او كاذبة (متى 15: 18)، او ما يُسي به الى القريب من أعمال مثل الزِّنى والطَّمَعُ والخُبثُ والمَكْرُ والفُجورُ والحَسَدُ والشَّتْمُ. وفي هذا الصدد يقول القديس يعقوب "إِنَّ التَّدَيُّنَ الطَّاهِرَ النَّقِيَّ عِندَ اللهِ الآب هو ... صِيانَةُ الإِنسانِ نَفْسَه مِنَ العالَم لِيَكونَ بِلا دَنَس" (يعقوب 1: 27). فان المنبع الحقيقي لكل نجاسة هو من الداخل، حيث ان القضية ليست القضية قضية الايدي، بل قضية القلب. إنّنا لم نعرف أنّ قلب الإنسان خادع وخبيث، كما جاء في تعليم ارميا النبي " القَلبُ أَخدَعُ كُلِّ شيَء وأَخبَثُه فمَن يَعرِفه؟ (إرميا 17: 9).

17 ولمَّا دخَلَ البَيتَ مُبتَعِداً عنِ الجَمْع، سأَلَهُ تَلاميذُه عَنِ المَثَل

تشير عبارة " البَيتَ " الى الموضع العاديّ لنشاط يسوع في الجليل. ويبدو أنه بيت سمعان واندراوس في كفرناحوم (مرقس 1 :19)، الذي يُسمّى "البيت" (مرقس 2 :1؛ 3 :20؛ 9 :33؛ 10 :10) والبيت عادة مكوّن من أربع غرف حول فناء داخلي. وهو نمط وُجد في فلسطين وفي خارج فلسطين، وكان يتيح للعائلة أن تجتمع حتى أربعة أجيال مع ممارسة الزراعة وتربية الغنم أو المعز. أمَّا السطح فمؤلّف من عوارض خشبيّة وأغصان الشجر وطبقة من الطين. وفي الفناء الداخلي، نجد فرن الخبز والرحى؛ وربّما البئر. أمَّا عبارة "تَلاميذُه" فتشير الى الاثني عشر والتلاميذ الذين حوله (مرقس 4: 10). وهم صورة سابقة لجماعة المسيحيين. أمَّا عبارة " المَثَل " في العبرية הַמָּשָׁל الى حكمة مقتضبة فيها لغز (مرقس 4: 11) يرى فيها مرقس الإنجيلي معنى خفياً يُكشف للتلاميذ فقط (مرقس 4: 10-12) وهو خاص بالعمل الذي أُرسل يسوع من أجله (مرقس 3: 23-27).

18 فقالَ لَهم: أَهكَذا أَنتم أَيضاً لا فَهمَ لكم؟ أَلاَ تُدرِكونَ أَنَّ ما يدخُلُ الإِنسانَ مِنَ الخارِج لا يُنَجِّسُه

تشير عبارة "هكَذا أَنتم أَيضاً لا فَهمَ لكم؟" الى موضوع قلة فهم التلاميذ وغباوتهم بالذات والذي كثيرا ما تناوله مرقس الإنجيلي (متى 4: 13، 6: 52، 7: 18، 8: 17-18، 9: 10، 10: 38). ترينا هذه العبارة كم كان يسوع منعزلا حتى عن أعز أصدقائه الذين لم يفهموه، وظل في أصعب المواقف وحده بسبب عمق شخصيته ورسالته التي لا يُسبر غورها. أمَّا عبارة "ما يدخُلُ الإِنسانَ مِنَ الخارِج لا يُنَجِّسُه" فتشير الى ارتباط النجاسة والطهارة بالقلب، إذ ما يقطع بينا وبين الله هو الخطيئة وليس الاكل بأيد نجسة.

19 لأَنَّهُ لا يَدخُلُ إِلى القَلْب، بل إِلى الجَوْف، ثُمَّ يَذهَبُ في الخَلاء. وفي قَولِه ذلك جَعَلَ الأَطعِمَةَ كُلَّها طاهِرة

تشير عبارة " طاهِرة " טְּהוֹרָ الى جدارة أو عدم جدارة بالنسبة إلى شعائر العبادة وحياة الجماعة العباديّة، وهي لا تدلّ في ذاتها على صفة خلقيّة. أمَّا عبارة " جَعَلَ الأَطعِمَةَ كُلَّها طاهِرة" فتشير الى إلغاء تحريم بعض الأطعمة الذي من شأنه ان يُزيل كل عقبة تحول دون وحدة المائدة بين المسيحيين الذين من أصل يهودي، المسيحيين من أصل وثني (اعمال الرسل 10: 9-16)، وبهذا الامر أتاح يسوع أبواب الكنيسة على مصرعيها امام الشعوب التي لا ترتبط بمثل هذه التقاليد اليهودية. أمَّا اليهود فقد اعتقدوا انه يمكنهم ان يكونوا أطهاراً امام الله بامتناعهم عن بعض الاطعمة بحسب تفسيرهم لشرائع الطعام (الاحبار 11) أمَّا تعليم بولس الرسول فواضح في هذا الامر " فلا يَحكُمَنَّ علَيكم أَحَدٌ في المَأكولِ والمَشروب... إِنَّها وَصايا ومَذاهِبُ بَشَرِيَّة" ((قولسي2: 16، 22). فالإيمان بالله لا يرتبط بالعادات ومن هنا جاء مرسوم المجمع الفاتيكاني الثاني الخاص بنشاط المرسلين في الكنيسة "يتوجب على المرسلين ان يألفوا تقاليد الشعوب القومية والدينية التي سيجري تبشيرها". لقد وضع يسوع حداً للتمييز بين الأطعمة الطاهرة والاطعمة الدنسة.

20 وقال: ما يَخرُجُ مِنَ الإِنسان هو الَّذي يُنَجِّسُ الإِنسان

تشير عبارة " ما يَخرُجُ مِنَ الإِنسان " الى النوايا السيئة من اقوال وأعمال. وهي تجاوز شرائع الله بالقلب، وهذه هي الخطيئة التي تقطع العلاقة مع الله، لا الاكل بأيد نجسة. وفي هذا الصدد يقول كتاب الاقتداء بالمسيح "الإنسان إلى الوجه ينظر، أما الله فإلى القلب. الإنسان يلتفت إلى الأعمال أما الله فيزن النيات".

21 لأَنَّهُ مِن باطِنِ النَّاس، مِن قُلوبِهم، تَنبَعِثُ المَقاصِدُ السَّيِّئةُ والفُحشُ وَالسَّرِقَةُ والقَتْلُ

تشير عبارة " مِن باطِنِ النَّاس، مِن قُلوبِهم" الى بداية كل خطيئة في قلب الانسان ونوايا فكره (غلاطية 5: 19-21). ويسوع لم يبخس الشريعة حقها، ولكنه مهّد الطريق أمام التغيير الذي تجلى في حياة الجماعة المسيحية الأولى (أعمال الرسل 10: 9-29) عندما فك الله القيود المتعلقة بالطعام. فنحن لسنا أنقياء بسبب أعمال خارجية بعدم اكلنا بعض الاطعمة، ولكننا أنقياء بتجديد المسيح لأذهاننا وجعلنا على صورته بالبرِّ والتقوى؛ أمَّا عبارة " المَقاصِدُ السَّيِّئةُ" الفُحشُ وَالسَّرِقَةُ والقَتْلُ" فتشير الى الرذائل التي يسيء به الانسان الى القريب. وهي لائحة الرذائل التي عُرفت في العالم اليهودي كما في العالم اليوناني (رومة 1: 29-30)؛ اما عبارة "الفُحشُ " باليونانية πορνεία (معناها فِسق) فتشير الى نوع من الزنى ولكن في فجور وهي انغماس في الملذَّات وما هو قبيح ومخل بالحياء؛ أمَّا عبارة "السَّرِقَةُ" فتشير الى أخذ مال الغير في خفاء أو بالخداع والحيلة، ويمكن أن يقوم بذلك فرد أو عصابة (أيوب 1: 15و17). ويعلق القديس أوريجانوس "أحصرْ بحثَكَ بنفسك فقط. فالمعركة التي ستخوض هي في داخلِكَ؛ وفي داخلِكَ أيضًا مدينة الخبث التي عليك أن تقهرَها؛ فعدوّكَ يخرجُ من أعماقِ قلبِكَ". (العظات عن يسوع رقم 5)

22 والزِّنى والطَّمَعُ والخُبثُ والمَكْرُ والفُجورُ والحَسَدُ والشَّتْمُ والكِبرِياءُ والغَباوة

تشير عبارة "الزِّنى" باليونانية μοιχεῖαι الى الجنس خارج العلاقة الزوجية؛ أمَّا عبارة “الطَّمَعُ" باليونانية πλεονεξίαι (معناها "يريد أكثر"، أي لا يشبع) الى رغبة جامحة للحصول على أكثر مما يحتاجه الشخص وامتلاكه لمحاولة التفوّق على الآخرين واستعبادهم. وهي رغبة لا تنتهي كما يقول أفلاطون "إنّها كالإناء المثقوب لا يمتلئ أبداً". أمَّا عبارة " الخُبثُ " بالونانية πονηρίαι (معناها الأعمال الشريرة) فتشير سمة من يفرح في مصائب الآخرين، ويُسر عندما يؤذي قريبه، لذلك يدعى إبليس بالخبيث، أمَّا عبارة " والمَكْرُ " باليونانية δόλος (معناها يوقع في الفخ) فتشير الى الغش. أمَّا عبارة "الفُجورُ"باليونانية ἀσέλγεια, (معناها الدعارة) الى السلوك الفاسق الذي يتنافى والذوق السليم العام ويفسد الحب البشري. فإنّ الإنسان الّذي يتّصف بهذه الصفة هو شخص قد فقد كل الإحساس بالخجل ولا يتردّد في عمل أي شر دون أن يشعر بأي وازع اجتماعيّ أو أخلاقيّ. وبكلمة الفجور هي الإكثار من الكبائر والاستهتار بها والانطلاق فيها أمَّا عبارة " الحَسَدُ باليونانية ὀφθαλμὸς πονηρός (معناها عين شريرة) فتشير الى شعور عاطفي يقوم على تمنِّي زوال قوة أو إنجاز أو ملك أو ميزة من شخص آخر أو يكتفي الحاسد بالرغبة في زوالها من الآخرين او تحويلها إلى فشل. والحسد لا يضر سوى الحاسد إذ يمتلئ قلبه شرا. وأمَّا عبارة "الشَّتْمُ" باليونانية βλασφημία (معناها تجديف) فيشير الى شتيمة ونميمة (قولسي 3: 8) ويقصد بها في الكتاب المقدس كلام غير لائق في شأن الله وصفاته (مزمور 74: 10-18 وأشعيا 52: 5). وأمَّا عبارة "الكِبرِياءُ" فتشير الى مركب العظمة، وعلوّ الإنسان، فهي تصف الإنسان الّذي يحتقر كلّ شخص ظانّاً أنّه أعظم منهم، او تشير أيضا الى التدخّل في شئون الربّ الإله ومحاولة الوقوف ضدّه، كما جاء في مثل يسوع" وضرَبَ هذا المَثَلَ لِقَومٍ كانوا مُتَيَقِّنينَ أّنَّهم أَبرار، ويَحتَقِرونَ سائرَ النَّاس (لوقا 18:9)، ولهذا قال القدّيس يعقوب الرسول " إِنَّ اللهَ يُكابِرُ المُتَكَبِّرين "(يعقوب 4: 6). إنّ الكبرياء هي رأس كل الرذائل. أمَّا عبارة "الغباوة " باليونانية ἀφροσύνη (معناها الجهل) فتشير الى الجهل الروحي وليس الجهل العقلي، والجهل الروحي او السخافة الادبية التي تنظر الى الخطيئة وكأنها أضحوكة. إنّ هذه القائمة الّتي يذكرها يسوع مرعبة حقّاً، وإنّها هي الّتي تنجّس الإنسان حقّاً، وهي خطايا ضد القريب. وهي تتقابل مع الوصايا العشر التي لها العلاقة مع الآخرين. الطريقة الآن لتطهير أنفسنا هي طاعة الوصايا العشر والامتناع عن تلك الرذائل. وفي هذا الصدد يقول القديس يعقوب " إِنَّ التَّدَيُّنَ الطَّاهِرَ النَّقِيَّ عِندَ اللهِ الآب هو افتِقادُ الأَيتامِ والأَرامِلِ في شِدَّتِهِم وصِيانَةُ الإِنسانِ نَفْسَه مِنَ العالَم لِيَكونَ بِلا دَنَس" (يعقوب 1: 27). وهذه القائمة للرذائل يقدمها لنا العهد الجديد دائمًا للتحذير، كالقائمة التي في رسائل بولس الرسول (رومة 1: 29-31، وغلاطية 5: 13-19). لنتجنب هذه الرذائل مردِّدين مع صاحب المزامير " عَلِّمْني يا رَبُّ طرقكَ فأَسيرَ في حَقِّكَ. وَحِّدْ قَلْبي فأَخافَ اْسمَكَ" (مزمور 86: 11)

23 جَميعُ هذِه المُنكَراتِ تَخرُجُ مِن باطِنِ الإِنسانِ فتُنَجِّسُه

تشير "المُنكَراتِ تَخرُجُ مِن باطِنِ الإِنسانِ" الى العمل الشرير الذي يبدأ بمجرد فكرة واحدة. عندما نسمح لأفكارنا ان تتركز على الشهوة او الحسد او البغض او الانتقام... لا بد ان يؤدي هذا كله الى أعمال شريرة.

ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (مرقس 7: 1- 23)

بعد دراسة وقائع النص الإنجيلي (مرقس7: 1-23) يمكننا ان نتناول موضوعين: التقاليد اليهودية والطهارة الطقسية. وقد ناقشهما يسوع مع ثلاثة جماعات من الناس وهم الفريسيون والكتبة ثم جماهير الشعب واخيراً تلاميذه.

1) موقف يسوع من التقاليد اليهودية

"اجتَمَعَ لَدَى يسوع الفِرِّيسِيُّونَ وبَعضُ الكَتَبَةِ الآتينَ مِن أُورَشَليم" (مرقس 7: 1) فدار الحوار حول سُنَّة الشيوخ. وسُنّة الشيوخ او التقاليد هي عبارة عن تراث في الأوساط الكهنوتية، وعند علماء اليهود، وعند كل الطوائف التي تتَألف منها أُمَّة اليهود. ويستند في نقله إلى الصلة الشخصية بين المعلم وتلاميذه: المعلم ينقل ويُسلّم، والتلميذ يُسلم ما يجب عليه أن يسلّمه بدوره. إن هذا التسليم يُعرِّفه أنجيل مرقس بلفظة يونانية اي παράδοσις "أي سُنّة الشيوخ" (مرقس7: 5 و13)، ويذكره بولس الرسول بعبارة "سنن آبائي" τῶν πατρικῶν μου παραδόσεων (غلاطية 1: 14). إن هذا التراث يضاف إلى الكتب المقدسة ليؤلف "ما أورثنا موسى من سنن" (أعمال 6: 14)، فينسب الكتبة أصلها إلى ماض سحيق لتدعيم سلطانها. إلاّ أنه لا يجوز خلط هذا التقليد المتأخر الذي تشهد له هذه الكتب بالتقليد الشفهي القديم الذي تبلور في الكتب المقدسة القانونية.

منذ البداية، يوضّح يسوع عدم تقيّده بسُنة الشيوخ المعاصرين له. إلاّ أنه لا يمس جوهر التراث التقليدي المحفوظ في الكتب المقدسة: الشريعة والأنبياء لا ينبغي أن يبطلا، بل أن يتمما "لا تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأُبْطِلَ الشَّريعَةَ أَوِ الأَنْبِياء ما جِئْتُ لأُبْطِل، بَل لأُكْمِل"(متى 5: 17). أمَّا "سنّة الشيوخ" فإنها لا تحظى بمثل هذا الامتياز، لأنها بشرية، قد تحمل في ذاتها خطر نسخ الشريعة (مرقس7: 8- 13)، ولذا يشجّع يسوع تلاميذه على التحرّر من سنّة الشيوخ بل ويعلن أيضاً بطلانها. لم ينتقد السيد المسيح الغسل في ذاته، لكنه انتقد الانشغال به على حساب الغسل الداخلي، والاهتمام بتقاليد حرفية على حساب الوصايا في أعماقها.

واوضح يسوع لهم ان التقليد البشري لا يمكن ان يكون له نفس السلطان لكلمة الله. في حين اعطى الكتبة والفريسيُّون للتقليد البشري أهمية أكبر من السلطان المعطى لكلمة الله او وصاياه. فضَّلوا الطقوس الدينية على ما هو روحي وأدبي. واعطى لهم يسوع مثل افتراضي معروف ذلك الوقت يدور حول نذر القربان (مرقس 7: 10-13). وكلمة قربان مشتقة من الآصل العبري קָרְבָּן ومعناها تقدمة او منحة مكرسة لله. لقد كانت الوصية الخاصة بالوالدين واضحة، ولكن اليهود تهربوا منها تحت ستار التقوى. فكان باستطاعة الابن ان يَعدَ بدفع نقوده لخزينة الهيكل. وكان يمكن اجراءه بشكل رمزي بدون دفع اي مبلغ، او كان يمكن تأجيل الدفع الى ما بعد موته. فقد استشهد يسوع بوصية إكرام الوالدين " أكرم اباك وأمك"(خروج 20: 12)، ولا يستطيع اي قانون طقسي ان ينقضها. وعليه فان هذه التقاليد في نظر يسوع هي فرائض بشرية وخيانة لوصايا الله.

إلا أن يسوع تصرف في الوقت نفسه تصرّف معلم، يعلّم لا على طريقة الكتبة - بتكرار تقليد منقول بل كمن له سلطان (مرقس 1: 22 و27)، ويعهد إلى تلاميذه برسالة تقوم في نقل تعاليمه (متى 28: 19-20). بالإضافة الى ذلك، يظهر التجديد حتى في أعمال يسوع: يغفر الخطايا (متى 9: 1- 8)، ويعطي البشر نعمة الخلاص، ويضع علامات جديدة يوصي بتكرارها من بعده، وهي العشاء الرباني (1 قورنتس11: 23- 25). وبذا فهو يصبح، بكلماته وأعماله، أصل تراث جديد يستبدل سنّة الشيوخ، كأساس لتفسير الكتب المقدسة.

وقد حافظ القديس بولس الرسول على تقليد يسوع. إذ أوصى أهل تسالونيقي ببعض الوصايا من قبل الرب يسوع (1 تسالونيقي 4: 2) وقد "تسلّموها منه" (1 تسالونيقي 4: 1). إنه يستحلفهم أن يحافظوا على السنن παράδοσις ، التي أخذوها عنه، إمّا مُشافهة وإمّا مكاتبة (2 تسالونيقي 2: 14). ويقول بولس الرسول أيضاً لأهل فيلبي: وما تَعلَّمتموه مِني وأَخَذتُموه عَنِّي وسَمِعتُموه مِنِّي وعايَنتُموه فِيَّ، كُلُّ ذلك اعمَلوا بِه " (فيلبي 4: 9). ويوضح لأهل قورنتس: " سَلَّمتُ إِلَيكم قبلَ كُلِّ شيَءٍ ما تَسَلَّمتُه أَنا أَيضًا " (1 قورنتس 15: 3)، ويقصد بولس بكلامه عن مجموعة التعاليم الخاصة بموت المسيح وقيامته. أمَّا في قوله " فإِنِّي تَسَلَّمتُ مِنَ الرَّبِّ ما سَلَّمتُه إِلَيكُم " (1 قورنتس11: 23)، فهنا يتعلّق الأمر بسرد طقسيّ عن العشاء الرباني؛ فيشمل التقليد الرسولي، والممارسات كما يشمل التعليم.

وأستخدم لوقا ايضا اسلوب التقليد في كتابة انجيله كما جاء في مقدمة انجيله: "لَمَّا أَن أَخذَ كثيرٌ مِنَ النَّاسِ يُدَوِّنونَ رِوايةِ الأُمورِ الَّتي تَمَّت عِندنَا، كما نَقَلَها إلَينا الَّذينَ كانوا مُنذُ البَدءِ شُهودَ عِيانٍ لِلكَلِمَة" (لوقا 1: 1- 2). إذن، يقتصر دور الروايات الإنجيلية على تدوين ما كان قائماً من قبل في التقليد. ففي هذه الروايات تحتفظ حياة الكنيسة بالمآثر والعادات التي سلّمها إليها المسيح، ووضعها الرسل موضع التنفيذ.

ويتميّز تقليد يسوع عن "سنّة الشيوخ" (متى 15: 2)، وعن كل " سُنَّةِ النَّاسِ" (قولسي 2: 8)، من حيث أنه يستند إلى سلطة المسيحٍ. فقد "عَمِلَ يسوعُ وعلَّم" (أعمال 1: 1)، وأعطى تلاميذه تفسيراً شرعياً للكتب المقدسة السابقة فمثلا قال يسوع "سـَمِعْتُمْ أَنَّهُ قيلَ لِلأَوَّلين: "لا تَقْتُلْ، فإِنَّ مَن يَقْتُلُ يَستَوجِبُ حُكْمَ القَضـاء". أَمَّا أَنا فأَقولُ لَكم: مَن غَضِبَ على أَخيهِ استَوجَبَ حُكْمَ القَضاء، وَمَن قالَ لأَخيهِ: ((يا أَحمَق)) اِستَوجَبَ حُكمَ المَجلِس، ومَن قالَ لَه: ((يا جاهِل)) اِستَوجَبَ نارَ جَهنَّم" (متى 5: 20- 48)، واوصاهم بما ينبغي عليهم أن يعلّموه للناس باسمه "عَلِّموهم أَن يَحفَظوا كُلَّ ما أَوصَيتُكُم به" (متى 28: 20)، ومعطياً لهم قدوة حيّة لما ينبغي أن يصنعوه "فقَد جَعَلتُ لَكُم مِن نَفْسي قُدوَةً لِتَصنَعوا أَنتُم أَيضاً ما صَنَعتُ إِلَيكم" (يوحنا 13: 15). فكما أن التعليم الذي كان يُكرز به لم يكن من عنده، بل من عند الذي أرسله (يوحنا 7: 16)، هكذا يحمل التقليد الرسولي دوماً في ذاته سمة المسيح المخلص، محافظاً بدقَّة على روحه ورسومه وأعماله. وفي هذا الصدد يقول التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية " "المسيح السيد الذي فيه يكتمل كلُّ وحي الله العليّ، بعد أن حقق في حياته وأعلن بلسانه الانجيل أمر رسله أن يبشروا الناس أجمعين بهذا الانجيل، منبعا لكل حقيقة خلاصية، ومصدرا لكل نظام خلقي، ويسبغوا هكذا على الجميع المواهب الالهية"(رقم 75).

فإن روح المسيح القائم من بين الأموات يبقى مع تلاميذه، ليعلّمهم جميع الأشياء (يوحنا 14: 26)، ويرشدهم إلى الحق كله (يوحنا 16: 13). وإذن، ليس ثمة فرق بين سلطة الرسل وسلطة معلمهم: " مَن سَمِعَ إِلَيكُم سَمِعَ إِليَّ. ومَن أَعرَضَ عَنكم أَعرَضَ عَنِّي، ومَن أَعرَضَ عَنِّي أعرَضَ عَنِ الَّذي أَرسَلَني"(لوقا 10: 16).

ونستنتج مما سبق ان هناك استمرارية حقيقية من التراث الرسولي إلى تقليد الكنيسة. وأمَّا التقليد الكنسي فلا يتعدى دور المحافظة والصيانة؛ وقد حدد العهد الجديد قاعدته في قول بولس الرسول: " اِحفَظِ الوَديعَة " (1 طيموتاوس 6: 20)، وهذه الوديعة هي التراث الرسولي الذي لا يمكنه أن يقبل أية عناصر جديدة: لقد أكمل الوحي. ويؤكد بولس الرسول على التقليد (1 قورنتس 34:11) وكذلك يوحنا الرسول (2يوحنا 12). وأمَّا نموه في تاريخ الكنيسة فهو من نظام آخر، لأنه لا يفعل أكثر من أن يوضّح الأمور المضمرة المتضمنة في الوديعة الرسولية.

ويلخص كتاب التعليم المسيحي الفرق بين تقليد رسولي وتقاليد كنسيّة: "التقليد الرسولي هو الذي يصدر عن الرسُل، وينقلُ ما أُلقي إليهم من تعليم يسوع ومثله وما لَقِنوهُ من الروح القدس. فلم يكن بعد لدى جيل المسيحييِّن الاول عهد جديد مكتوب، والعهد الجديد نفسه يُثبت نهج التَّقليد الحي.

اما تقاليد الكنيسة فهي “التقاليد" اللاهوتية، والتنظيمية، والليتروجية أو التعبُّدية التي نشأت عبر الازمان في الكنائس المحلية. انها تؤلّفُ صِيغَا خاصة يستمدُّ منها التقليد الكبير تعبيراتٍ توافق الامكنة المختلفة والعصور المختلفة. وهي لا تستطيع الديمومة الاّ في نورة، مبدَّلة أو مُهملةً في حكم سلطة الكنيسة التعليميّة.

2) موقف يسوع من الطهارة الطقسية

الموضوع الثاني الذي ناقشه يسوع مع الفرِّيسيين والكتبة وجماهير الشعب وأوضحه لتلاميذه هو موضوع الطهارة الطقسية. ومن هنا نبحت في مفهومها عامة ومفهومها عند المسيح خاصة.
ا) مفهوم الطهارة الطقسية

تقوم الطهارة الطقسية على الاستعداد المطلوب للتقرّب من الأشياء المقدسة. وبالرغم من أنها فضيلة ادبيّة مضادّة للدعارة، التي يحصل عليها المرء ليس فقط عن طريق الأفعال الأدبية، بل بواسطة الطقوس الدينية أيضاً. وقد يفقدها بحسب العقلية اليهودية بالملامسات الماديّة بغض النظر عن أية مسئولية أدبية. وهي تشمل ايضا النظافة الجسدية: أي الابتعاد عن كل قذارة (تثنية 23: 13)، وعن كل مرض مثل البرص (الاحبار 13- 14)، وعن كل فساد مثل الجثة الميت (عدد 19: 11- 14).

أمَّا التمييز بين الحيوانات الطاهرة والنجسة (الاحبار 11) فلا يمكن تعليله بمجرّد سبب الصحة فقط. هذه الطهارة تشكل حماية ضد الوثنية: وبما أن بلاد كنعان كانت مدنسة بوجود الوثنيين فغنائم الحرب كان نصيبها الحرم (يشوع 6: 24- 26). كما أن ثمار هذه الأرض ذاتها هي أيضاً محرّمة مدة سنوات الحصاد الأولى الثلاث (الاحبار 19: 23-25)، وكانت بعض الحيوانات كالخنازير تعتبر نجسة (الاحبار 11: 7)، لارتباطها بعبادة الوثنيين إذ "يُصعِدونَ دَمَ خِنْزيرٍ تَقدِمَةً" (اشعيا 66: 3) وأكد علماء الآثار هذه الموضوع في موقع ترصة الاثرية (الفارعة).

وتنظم الطهارة استعمال كل ما هو مقدس، فكل ما يمسّ العبادة يجب أن يكون طاهراً، ولا يمكن التقرّب منه بدون استحقاق "كُلُّ رَجُلٍ بِه عَيبٌ مِن نَسْل هارونَ الكاهِن لا يَتَقَدَّمْ لِيُقَرِّبَ الذَّبائِحَ بِالنَّارِ لِلرَّبّ: إِنَّه بِه عَيْب، فلا يَتَقَدَّمْ لِيُقَرِّبَ طَعامَ إِلهِه. لكِنَّه يأكُلُ مِن طَعامِ إِلهِه، مِن قُدْسِ الأَقْداسِ كانَ أَو مِنَ الأَقْداس." (الاحبار 21: 21- 22).

اما الانبياء فقد كانوا يعلنون باستمرار أن أنواع الغسل والذبائح ليس لها قيمة في ذاتها، ما لم تنطوِ على طهارة باطنية "هذا الشَّعبَ يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِفَمِه ويُكرِمُني بِشَفَتَيه وقَلبُه بَعيدٌ مِنِّي" (اشعيا 29: 13). ومع ذلك فهذا لا يعني اختفاء الشكل الطقسي (اشعيا 52: 11)، بل يوضح أن النجاسة الحقيقية التي من شأنها تدنيس الإنسان هي الخطيئة، والنجاسات المقرّرة في الشريعة ليست سوى صورتها الخارجية (حزقيال 36: 17- 18). فهناك وصمة أساسية تصيب الإنسان، لا يُطهِّره منها سوى الله (اشعيا 6: 5- 7). والتطهير الجذري للشفاه، وللقلب، وللكيان كله يدخل في عداد المواعيد المعلّقة على المسيح " وأَرُشُّ عليكم ماء طاهِرًا، فتَطهُرونَ مِن كُلِّ نَجاسَتِكم" (حزقيال 36: 25).

أمَّا الحكماء فيضعون شرطا اساسيا وهو إرضاء الله بطهارة الأيدي، والقلب، والجبين، والصلاة (أيوب 11: 14- 15، 16: 17، 22: 30)، وبالتالي بسلوك اخلاقي لا عيب فيه. ويشعر الحكماء بنجاسة الإنسان أمام الله (أمثال 20: 9، أيوب (9- 30 - 31). ومن الجسارة أن يتصوّر الإنسان نفسه طاهراً (أيوب 4: 17). وينبغي على الحكيم ان يجتهد في الحفاظ على الطهارة، لا سيما الطهارة الجنسية، فقد حفظت سارة نفسها طاهرة (طوبيا 3: 14)، إنما استسلام الوثنيين لدعارة فهو مذلّة (حكمة 24:14).

أمَّا صاحب المزامير فأبدى اهتمامه أيضا بالطهارة الاخلاقية، في إطار طقسيّ. إن محبة الله تتّجه نحو أنقياء القلوب (مزمور 73: 1). فالدخول إلى الأقداس مقصور على الرجل صاحب اليدين النقيّتين والقلب الطاهر "مَن ذا الَّذي يَصعَدُ جَبَلَ الرَّبِّ ومَنْ ذا الَّذي يُقيمُ في مَقَرِّ قُدْسِه؟ النَّقِيُّ الكَفَّين والطَّاهِرُ القَلْبِ الَّذي لم يَحمِلْ على الباطِلِ نَفسَه ولم يَحْلِفْ خادِعًا. (مزمور 24: 4)، ويكافئ الرب، الأيدي النقيّة التي تصنع بر الرَّبُّ "بِحَسَبِ برِّي كافأني وبطَهارةِ يَدَيَّ أَثابَني"(مزمور 18: 21). ولكن بما أن الله وحده يستطيع أن يمنح الطهارة، فإن الإنسان يتوسل إليه أن يطهّر القلوب كما جاء في ترنيم صاحب المزامير " زِدْني غُسْلاً مِن إِثْمي ومِن خَطيئَتي طَهِّرْني" (المزمور 51: 4).

3) الطهارة بنظر يسوع:

في زمن يسوع زادت الشروط المادية في الطهارة: من تطهير متكرّر (مرقس 7: 3- 4)، وأنواع غسل دقيقة (متى 23: 25)، وهرب من الخطأة الذين ينشرون النجاسة (مرقس 2: 15- 17)، والابتعاد عن القبور تجنباً للنجاسة (متى 23: 27).

إن يسوع الذي تُصوّره الأناجيل الإزائيّة، يلمس الأبرص (مرقس 1 :40-43)، يأكل مع العشّارين والخطأة (مرقس 2 :15-17)، يشجب الممارسات الفريسية (مر 7 :1-23)، لا يدلّ على اهتمام بالطهارة الطقسيّة، بل يشدّد على الطهارة الأخلاقيّة. ما يجب أن نطهّره أولاً هو القلب لا اليدان والكأس. وفي هذا الصدد تقول القديسة الام تريزا دي كالكوتا " دَع محبّة الله تجتاحُ القلبَ وتتملّكه، فتصبحَ بالنسبة إلى هذا القلب كطبيعة ثانية؛ فلا يَدَع هذا القلب شيئًا مضادًّا له يدخله؛ ولْيَعملْ باستمرار على زيادة حبّ الله هذا بإرضائه في كلّ شيء، وبعدم رفض أيّ شيء يطلبه؛ فليَقبَل كلّ ما يجري له كأنّه صادر عن يد الله"(صلاة البحت عن قلب الله).

وطالب يسوع بالمحافظة على بعض قواعد الطهارة الشرعية (مرقس 1: 43- 44) لكنه أدان أولاً التطّرف في الفرائض، والمضاعفة على الشريعة "إنَّكُم تُحسِنونَ نَقْضَ وَصِيَّةِ الله لِتُقيموا سُنَّتَكم" (مرقس 7: 9). ثم أعلن أن الطهارة الوحيدة هي الطهارة الباطنية: " مِن شَيءٍ خارجٍ عنِ الإِنسان إِذا دخَلَ الإِنسانَ يُنَجِّسُه. ولكِن ما يَخرُجُ مِنَ الإِنسان هو الَّذي يُنَجِّسُ الإِنسان" (مرقس 7: 15). ثم منح يسوع ذاته إلى " أنقياء القلوب " طوبى لأَطهارِ القُلوب فإِنَّهم يُشاهِدونَ الله" (متى 5: 8).

فإن الطهارة الأدبية نفسها لم تعد تكفي لمعاينة اللّه، وللتقرب إليه، وإنما يحتاج الأمر إلى حضور الرب الفعّال، حينئذ يكون الإنسان طاهراً جذرياً. وهذ ما أكّد يسوع لرسله: "أَنتُمُ الآنَ أَطهار بِفَضْلِ الكَلامِ الَّذي قُلتُه لَكم" (يوحنا 15: 3)، وبوضوح أكثر: " مَن استَحَمَّ لا يَحتاجُ إِلاَّ إِلى غَسلِ قَدَمَيه، فهو كُلُّه طاهِر. أَنتُم أَيضاً أَطهار" (يوحنا 13: 10). ونستنتج مما سبق ان يسوع أبدل الطقوس تطهير الكيان الداخلي بذبيحته "فقَد أَبطَلَ العِبادةَ الأُولى لِيُقيمَ العِبادةَ الأُخْرى. وبِتِلكَ المَشيئَة، صِرْنا مُقَدَّسينَ بِالقُرْبانِ الَّذي قُرِّبَ فيه جَسَدُ يَسوعَ المَسيحِ مَرَّةً واحِدَة (عبرانيين 9:10 -10) وحيث ان "دَم يسوعَ ابنِه يُطَهِّرُنا مِن كُلِّ خَطيئَة"(1 يوحنا 1: 7). وتحقق هذا التطهير بطقس المعمودية التي تستمد فاعليتها من الصليب" أَحَبَّ المسيحُ الكَنيسة وجادَ بِنَفسِه مِن أَجْلِها لِيُقدَسَها مُطهِّرًا إِيَّاها بِغُسلِ الماءِ وكَلِمَةٍ تَصحَبُه (أفسس 5: 25- 26).

نستنتج مما سبق ان السيد المسيح جاء إلى العالم لكي يدخل بنا إلى إنساننا الداخلي، ومن هذا المنطلق علينا ان لا نهتم بالشكليات الخارجية والمظاهر، إنما نطلب تجديد إنساننا العميق، لهذا وبخ المهتمين بالوصايا في شكلها دون روحه. وعليه فإنه في نظر المسيحيّ الذي تحرّر من الشريعة ومن محرّماتها الطقسيّة (غلاطية 3 :23-4 :10، وسار منذ الآن في "شريعة المسيح" (1قورنتس 9 :219، "شريعة الروح الذي يُعطي الحياة" (رومة 8 :2) لا شيء نجس" في ذاته (رومة 14 :14)، ولا يوجد شعب طاهر وشعب نجس، إنما الحاجة إلى القلب الطاهر الداخلي. يعبّر عن الطهارة الشخصية في العلاقات مع القريب.

 

القديس يوحنا ذهبي الفم (سيرته، منهجه وأفكاره، كتاباته) - القمص تادرس يعقوب ملطي

لأوريجانية والرهبنة
أثارت الكتابات الأوريجانية ثورة فكرية في الحياة الرهبانية، وجدت لها عشاقًا بين الرهبان كما أثارت عداوة مُرّة في قلوب آخرين. فالرهبنة في بدء قيامها تأسست على الممارسة العملية للحياة الفاضلة، أي دخول إلى "حلبة الصراع في البرية ضد قوات الظلمة من أجل تنفيذ الوصية الإنجيلية". هذا الذي أعلنه القديس أثناسيوس الرسولي في كتابه عن القديس أنبا أنطونيوس، الذي لا نشتم فيه أي اتجاه تأملي عقلي، لكن "الأوريجانية" تسللت إلى بعض الرهبان والنساك ليجد البعض لذتهم بل غايتهم في الانطلاق في تأملات إلهية عميقة(3).

نستطيع أن نقول أن "الكتابات الأوريجانية" هي سرّ التحول الرهباني من نسكيات مجاهدة لأجل الفضيلة إلى نسكيات مجاهدة من أجل التأمل أو التاوريا.

ففي حوالي عام 370 م. تكونت جماعة أوريجانية في منطقة نتريا، تحت قيادة "الإخوة الطوال(4)": الأب أمونيوس وإخوته الثلاثة. هؤلاء الإخوة اتسموا بالروحانية والنسك، قاموا بنضال ضد الأريوسية بعد نياحة البابا أثناسيوس الرسولي، وكانوا على علاقة طيبة بالبابا تيموثاوس السكندري، وحتى عام 400 م. مع البابا ثاوفيلس الـ23. فقد أحبهم وأكرمهم كرامة زائدة، فرسم ديوسقورس أسقفًا على هرموبوليس، وأراد أن يرسم آخر منهم فاعتذر بعدم استحقاقه لهذه الكرامة السامية، فرسم منهم كاهنين يساعدانه في الخدمة.

تعلق البابا بهم، وأراد أن يستبقيهم معه في الإسكندرية، أما هم فأحسوا بضرورة العودة إلى البرية، يمارسون نسكهم وعبادتهم الرهبانية كما يليق. وعندما جاء مار أوغريس (إفجاريوس St. Evgarius) إلى مصر، استرشد بالأب أمونيوس، وجاءت كتاباته تفصح عن فكر الجماعة.

تحفز كثير من الرهبان ضد كتابات العلامة أوريجينوس من حيث أنها تدخل بالفلسفة إلى الرهبنة، فتفقدها بساطتها، وتشغل فكر الناسك بتأملات قد تدفعه إلى الانشغال بها عن جهاده النسكي. لكن ما هو خطير بحق أن رد الفعل ضد الفكر الأوريجاني كان قويًا في منطقة الإسقيط، حيث رفض بعض البسطاء التفسير الرمزي رفضًا قاطعًا، حتى فسروا العهد القديم تفسيرًا حرفيًا، فتصوروا لله وجه وعينان وأعضاء جسدية كما جاء في بعض عبارات العهد القديم لتوضيح أفكار معينة بلغة يفهمها البشر، كقول الكتاب(5):

"اسجدوا عن موطئ قدميه"،

"عيناي على أمناء الأرض... المتكلم بالكذب لا يثبت أمام عيني"،

"شريعة فمك خير لي من ألوف ذهب وفضة"،

"يديك صنعتاني وأنشأتاني"،

"أضئ بوجهك على عبدك وعلمني فرائضك"...

هكذا سقطوا في بدعة "تصور شكل الله الإنساني Anthropomorphism"، وقد جرُّوا وراءهم كثيرين. وحدث نزاع بين الأوريجانيين والأنثروبومورفيت حول السؤال: هل لله أعضاء جسدية؟

وفى عام 399م جاءت الرسالة الفصحية التي يحدد فيها البابا موعد عيد القيامة تلمح بطريق غير مباشر أنه لا يليق بنا أن نفكر في الله بطريقة جسمية مادية، إذ هو غريب عن الشكل البشري. وقد روى لنا القديس يوحنا كاسيان في كتابه "المناظرات(6)" أثر هذه الرسالة على جماعة الرهبان، فقد رفضت المجامع قراءتها(7)، ماعدا القديس بفنوتيوس الذي كان أبا لمنطقة شهيت العليا، فقد تلاها في مجمعه.

للأسف تزعم الناسك البسيط صرابيون حركة مقاومة ضد هذه الرسالة الفصحية، وقد انضم إليه حشود من الرهبان بسبب بساطته ونسكه.

ومما يحزن قلب الإنسان، أن جماعات الرهبان التي خرجت إلى البرية تتفرغ للصلاة والجهاد من أجل محبة الله والناس، قد أخذتهم الغيرة والحماس فتركوا الإسقيط وخرجوا حشدًا غفيرًا إلى الإسكندرية، حيث أحاطوا بالبطريركية يصيحون ويتوعدون مهددين بقتل الكافر ثاوفيلس! هذا ما سجله لنا المؤرخون القدامى(8).

ربما لا أكون مبالغًا إن قلت إن كثيرين منهم -في بساطة- خرجوا وراء قلة يثقون فيهم ثقة عمياء، خرجوا وهم لا يعلمون ماذا جاء في الرسالة الفصحية، أو ربما شرحها لهم القادة بطريقة مثيرة. لكن هذا لا يبرر موقفهم الثوري الذي لا يحمل ترويًا ولا روحانية!

أما البابا ثاوفيلس الذي عشق الجلوس مع الآباء الرهبان(9) كلما ضاقت نفسه نزل البرية ينعم ببركة الوجود بين رهبان قديسين، بل وكثيرًا ما كان يستشيرهم وينتفع بهم، فقد أدرك خطورة الموقف. فإن كثيرين منهم بسطاء وعُباد روحيين، لكن يسهل قيادتهم، بل يبذلون كل حياتهم من أجل طاعة مرشديهم الروحيين، مملوءين غيرة وحبًا لله. رأى أن الوقت ليس للجدال والنقاش بل أراد كسب صداقتهم حتى يعالج الأمر بهدوء وسكينة.

بحكمة التقى بهم قائلًا بلطف: "إذ أراكم أنظر وجه الله". لم يتحدث في خبثٍ لكن بحكمة، فإنه يرى الله في داخلهم كأولاد لله. أما هم فحسبوه يؤمن بوجود "وجه لله" جسماني. فسروا قوله تفسيرًا حرفيًا كعادتهم. وفعلًا خفت حدة غضبهم، وأجابوه: "إن كنت تقول حقًا بوجود ملامح لله مثلنا فاحرم كتب أوريجينوس، فقد اِستخرج البعض منها أدلة تخالف قولنا. وإن لم تفعل ذلك فتوقع منا معاملتك ككافر عدو الله.

أجابهم ثاوفيلس "إني مهتم بهذا الأمر، ومستعد أن أجيب طلباتكم، لا تغضبوا عليَّ. فإني لست موافقًا على أعمال أوريجينوس، وألوم من يقتنيها".

عاد الرهبان إلى أديرتهم، وكاد الموقف أن ينتهي عند هذا الحد كقول المؤرخ سقراط لولا ثورة الأربعة الطوال. فقد رأوا في تصرف البابا جبنًا واستهتارًا بالعقيدة ومجاملة على حساب الحق. أما ما أشعل نيران المعركة بين البابا والإخوة الطوال، الخلاف الذي حدث بينه وبين القس إسيذورس (إسيدور).

St-Takla.org Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

بين إسيذورس والبابا ثاوفيلس
بعد أن قام بتوزيع ثروته الكبيرة على الفقراء(10)، انطلق إسيذورس إلى البرية يتنسك في منطقة نتريا، فقد حباه الله وجهًا بشوشًا وطبيعة سمحة ولسانًا عذبًا، يحبه كل من يلتقي به.

أحبه البابا أثناسيوس الرسولي فرسمه كاهنًا، وأخذه معه في سفره إلى روما، وقد قضى أغلب حياته كمسئول عن المستشفى بالإسكندرية. كان عجيبًا في نسكه، يَقنع بالقليل من الماء والخبز.

هو أول من التقى بهم بالاديوس في زيارته للإسكندرية، أول ناسك مصري يتعرف عليه، فأحبه جدًا وكتب يمتدحه كثيرًا.

كان وجهه مضيئًا، حتى كل من يراه يتعجب! أحبه البابا ثاوفيلس جدًا، وكانت بينهما صداقة قوية، حتى رشحه للبطريركية على القسطنطينية عوض القديس يوحنا الذهبي الفم. لكن هذه الصداقة انقلبت إلى عداوة سافرة، إذ عاد إلى منطقة نتريا يلتصق بالإخوة الطوال، وكانوا يمثلون عنصرًا أوريجانيًا مضادًا للبابا ثاوفيلس، الذي -في نظرهم- قد مالا الأنثروبوموفليت الإسقيطيين... وهو في نظره اعتبر هذا التجمع تحديًا له، ومن هنا بدأت العداوة العلنية بين الأوريجانيين والبابا ثاوفيلس.

أما سرّ خروجه إلى البرية فقد تضاربت فيه الأقوال، غير أن المؤرخ سوزومين يرجح القصة التالية(11): قيل إن أرملة قدمت للقس إسيذورس ذهبًا ليشتري به ملابس للفقراء واشترطت إلا يخبر ثاوفيلس بالأمر حتى لا يبني به كنائس. لكن الخبر لم يختفِ عن البابا فتألم جدًا واستدعاه يستجوبه. أجابه القس في صراحة "الاهتمام بأجساد المتألمين الذين هم بحق هياكل الله أفضل من بناء حوائط، وأن المبلغ قد دفع لهذا الغرض". ومن هنا كانت بداية الاحتكاكات التي انتهت بقطع الكاهن، فهرب إلى البرية يعيش حياة الوحدة والتأمل واستقبله الرهبان استقبالًا حافلًا أغضب البابا.

هذه العداوة بين البابا والأوريجانيين -إن صح التعبير- وجدت نعمة في أعين الأنثروبوموفيلت، الذين دخلوا مع الأوريجانيين في مناضلة انتهت بانقسام البرية إلى جبهتين استخدمت فيها الألفاظ الجارحة، بل استخدموا أعمال العنف(12).

روى لنا المؤرخ سوزومين أن الأب آمون أخذ معه بعض الرهبان والتقوا بالبابا يتوسلون إليه أن يعيد إسيذورس إلى الشركة، فوعدهم بذلك. وإذ انتظروا لم يفعل شيئًا فأعادوا الكرة ولم يفعل شيئًا. أخيرًا أدركوا أنه يماطلهم فذهبوا إليه وضغطوا عليه لعله يحقق ما وعدهم به، وللأسف عوض أن يعيد الأب إسيذورس إلى الشركة ألقى القبض على أحدهم وأودعه الحبس، أما هم فذهبوا إلى الحبس وتظاهروا بالرغبة في مقابلة أخيهم يقدمون له احتياجاته. وإذ دخلوا الحبس اعتصموا هناك ورفضوا الخروج منه. أرسل إليهم البابا يدعوهم للتفاهم معه فأبوا، قائلين إنه أساء إليهم علنا بحبس أخيهم الراهب، فلا يخرجوا سرًا، إن أراد فيأتِ البابا بنفسه ويخرجهم من الحبس. لكنهم أخيرًا رضخوا وخرجوا فاِعتذر لهم عما حدث.

أثار هذا الحادث نفس البابا ونفوسهم، فتأزم الأمر، وجاءت الرسالة الفصحية لعام 400م تهاجم الأوريجانية، الأمر الذي أثار هذه الجماعة، خاصة أنه يدعوها "هرطقة" أو بدعة، بينما في نظرهم (أوريجينوس) هو معلم المسكونة.

من هنا بدأت التحديات العلنية، وقد تحولت الإسكندرية ومنطقة نتريا إلى صراعات وأحداث مشينة لم يسجل المؤرخون تفاصيلها. لذا فسنذكر أهم أحداث تلك الفترة:

1. عقد مجمع بالإسكندرية حُرم فيه آمون وأخواه الراهبان وربما بعض الإخوة المحيطين بهم.

2. اِعتصم الآباء في كنيسة الدير بنتريا، ومنعوا دخول أحد من الأساقفة وأوقفت العبادة الجماعية.

3. زار البابا ثاوفيلس المنطقة، واستغل البعض ذلك، فحاولوا الهجوم على الإخوة الطوال، مما اضطرهم إلى الهروب والاختفاء في مقبرة، وإذ لم يجدوهم أحرقوا قلاليهم وأمتعتهم(13).

4. استخدم البابا سلطانه الكنسي في الحرمان، كما استخدم الشدة فلجأ إلى وسيلة النفي.

وهكذا فقدت الكنيسة جمالها الروحي، وتحولت البرية المقدسة إلى صراعات وتحزبات.

St-Takla.org Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

الإخوة الطوال في فلسطين
هرب الأربعة الإخوة الطوال وفي صحبتهم الأب إسيذورس ومعهم جماعة من الرهبان يقدرهم بثمانين راهبًا(14)، جاءوا إلى أورشليم لعلهم يجدون لهم ملجأ في قلب الأسقف يوحنا الأورشليمي المعروف بإعجابه بأوريجينوس.

ترددت الإشاعات في الإسكندرية أن الآباء الرهبان هربوا متوجهين إلى القسطنطينية يعرضون قضيتهم ضد البابا ثاوفيلس. أسرع البابا فأرسل خطابًا مجمعيًا بعث به إلى 17 أسقفًا لفلسطين(15) و15 أسقفًا لقبرص(16)، جاء فيه(17):

[إلى السادة المحبوبين جدًا، الإخوة والأساقفة الشركاء...

ثاوفيلس يبعث تحيات في الرب.

لقد زرنا أديرة نتريا بأنفسنا ووجدنا هرطقة "الأوريجانية" قد سببت دمارًا عظيمًا بينهم. لقد صاحبها تعصب غريب: بتر أناس أعضاءهم(18) وقطع البعض ألسنتهم لكي يظهروا احتقارهم للجسد. لقد وجدت بعضهم انطلق من مصر إلى سوريا وإلى مدن أخرى، حيث تكلموا ضدنا وضد الحق.

لقد قرأت كتابات أوريجينوس أمام مجمع من الأساقفة، فأجمع الكل بحرمانه. إن أهم أخطائه التي وجد أغلبها في كتاب... هي:

1. إذا قورن الابن بنا يكون "الحق"، أما بالنسبة للأب فهو بطلان.

2. سينتهي ملكوت الله يومًا ما.

3. يلزمنا الصلاة للآب وحده دون الابن.

4. ستكون أجسادنا بعد القيامة قابلة للفساد وللموت.

5. ليس أحد كاملًا في السماوات، فإن الملائكة أنفسهم مخطئون وبعضهم يغتذي على الذبائح اليهودية.

6. تشعر الكواكب بحركاتها، وتعرف الشياطين من دورانها المستقبل.

7. السحر، إن كان حقيقيًا، فهو ليس شرًا.

8. تألم المسيح مرة من أجل الناس، وسيتألم مرة أخرى من أجل الشياطين.

هذا ويحاول الأوريجانيون أن يقهروني للخضوع لهم، فقد وشوا بي لدى الوثنيين في أمر خراب معبد السيرابيوم(19)، كما سعوا في إخراج شخصين متهمين بجرائم خطيرة من القضاء الكنسي. أحدهما هو الامرأة التي قيدها إسيذورس خطأ في قوائم الأرامل، والآخر هو إسيذورس نفسه، قائد الحركة الهرطوقية، الذي بثروته يمدهم بفيض لتنفيذ مشروعاتهم العنيفة.

لقد حاولوا قتلي، لقد اغتصبوا كنيسة الدير بنتريا، ولفترة ما منعوا الأساقفة الدخول فيها وممارسة العبادة فيها.

إنهم الآن مثل بعلزبول، يجوبون الأرض هنا وهناك.

إني لم أضرهم في شيءٍ، بل أنا حافظت عليهم.

إني لا أريد الصداقة -مع إيسيذورس- التي تفسد إيماننا ونظامنا.

أرجوكم أن تصدوهم أينما حلوا، وتمنعوهم عن أن يقلقوا الإخوة الذين تحت رعايتكم.]

St-Takla.org Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

أثر رسالة ثاوفيلس في فلسطين
اجتمع أساقفة فلسطين، وبعثوا رسالة إلى البابا ثاوفيلس، وقام جيروم بترجمتها اللاتينية، جاء فيها:

[لقد نفذنا كل ما ترغبه، لكن فلسطين في غالبيتها لا تحمل وصمة الهرطقة.

إننا نرغب لا في قمع الأوريجانيين وحدهم، بل وأيضًا اليهود والسامريين والوثنيين.

لا وجود للأوريجانية بيننا، فإننا لم نسمع هنا قط عن التعاليم التي تصفها لنا.

إننا نحرم المتمسكين بمثل هذه التعاليم، كما نحرم تعاليم أبوليناريوس، ولا نقبل قط أحدًا ممن تحرمهم أنت(20).]

كما بعث الأب ديوناسيوس أسقف اللدّ برسالة إلى البابا، يمدحه فيها على انتصاراته الواضحة على الأوريجانية، ويحثه على الاستمرار في الجهاد ضد الهرطقة. وقد قام جيروم أيضًا بترجمتها إلى اللاتينية(21).

St-Takla.org Image: Saint John Chrysostom, Patriarch of Constantinople, 313 × 105 cm, 1408, The State Tretyakov Gallery, Moscow صورة في موقع الأنبا تكلا: القديس يوحنا ذهبي الفم، بطريرك القسطنطينية، لوحة بمقاس 313×105 سم، من سنة 1408، محفوظة في معرض ولاية تريتياكوف، موسكو

St-Takla.org Image: Saint John Chrysostom, Patriarch of Constantinople, 313 × 105 cm, 1408, The State Tretyakov Gallery, Moscow

صورة في موقع الأنبا تكلا: القديس يوحنا ذهبي الفم، بطريرك القسطنطينية، لوحة بمقاس 313×105 سم، من سنة 1408، محفوظة في معرض ولاية تريتياكوف، موسكو

أما القديس جيروم فقد أعجب بموقف البابا ثاوفيلس الحازم ضد الأوريجانية، فإنه منذ حوالي ست أعوام كان الصراع قد بلغ أشده ضد روفينوس ويوحنا أسقف أورشليم، حتى اضطر الأخير أن يلتجئ إلى البابا ثاوفيلس، الذي بدوره أرسل القس إسيذورس (المحب لكتابات أوريجينوس) فسجل تقريره للبابا في غير صالح جيروم (وأبيفانيوس).

أخذ جيروم يكتب إلى ثاوفيلس عدة رسائل يعاتبه فيها على تهاونه مع الأوريجانيين، ويحذره من خطورة التراخي معهم، لكن البابا لم يجب عليه، وأخيرًا أجابه عام 397م برسالة يهدئ فيها قلب جيروم، فكتب إليه جيروم يقول له:

[جيروم إلى البابا الكلي الطوبى ثاوفيلس.

تذكر قداستكم أنه في الوقت الذي صمت عن الكتابة لي، أنا لم أكف عن القيام بواجبي بالكتابة إليكم...

إن كانت لجاجة المرأة قد غيرت عزيمة القاضي الظالم، كم بالأكثر التجائي المستمر إليكم يلين قلبًا أبويًا مثلكم..؟

أبرار كثيرون لا يسرون من طول أناتك بخصوص هذه الهرطقة المفزعة، إذ تحسب نفسك قادرًا بلينك أن تصلح هؤلاء الذين يهاجمون أعضاء المسيح الحية. إنهم يؤمنون أنه في انتظارك توبة هذه القلَّة من الناس. تسند جسارة أناس مهجورين وتعطي جماعتهم قوة.

وداعا في المسيح(22).]

هذه الرسالة التي كتبت حوالي 397م قبل قيام مشكلة الإخوة الطوال بحوالي ثلاث سنوات تكشف لنا عن موقف البابا ثاوفيلس الخفي. يقول Moulard إنه كان شغوفًا بكتب أوريجينوس، هذا أمر لا يشك فيه، لكنه كبقية الآباء يعرف أخطاءه ولا يقبلها(23). كان يدرك بعض الأخطاء التي تسللت بين عشاق كتابات أوريجينوس، لكنه يؤمن أن كتاباته تحمل روحًا وفكرًا، يمكن للقارئ أن يتجاهل ما ورد بها من أخطاء عارضة. كان يؤمن بطولة الأناة في معالجة الخطأ. لقد عاد بعد عامين يكتب لجيروم (سنة 399م) مطالبًا إياه بالتصالح مع الأب يوحنا أسقف أورشليم (الأوريجاني)، فأجابه برسالة طويلة يظهر فيها شوقه للسلام وموضحًا مضايقات الأوريجانيين له(24).

على أي الأحوال، إذ سمع بأخبار "منطقة نتريا" ومضايقات البابا للأوريجانيين أرسل يهنئه على نجاحه في جهاده ضد الأوريجانية، محدثًا إياه عن الأعمال الصالحة التي قام بها رسولاه بريسكوس Priscus وإيبيلوس Eubulus. لقد طلب الصفح عن يوحنا أسقف أورشليم الذي قبل جماعة الأوريجانيين المحرومين دون أن يعرف قضيتهم وعن غير قصد.

[جيروم، إلى البابا الطوباوي ثاوفيلس.

تسلمت عن قريب رسائل من طوباويتك... وإني أكتب إليك سطورًا قليلة لأهنئك على نجاحك.

العالم كله يمجدك في انتصاراتك. جموع من كل الأمم تتطلع متهللة إلى الصليب الذي رفعته في الإسكندرية عاليًا، وإلى النُصب التذكارية المشرقة فوق الهرطقة.

لتحل البركات على شجاعتك! لتحل البركات على غيرتك!

لقد كشفت أن صمتك الطويل لم يكن انحرافًا بل حكمة. فإنني أحدث غبطتكم في صراحة تامة، أن صبرك الطويل قد عذبني، ولم أكن أعرف خطة القائد، فقد كنت أتوق إلى هلاك هؤلاء المهجورين. لكنني كما أرى الآن، لقد رفعت يدك عن الضرب لكي تضرب بأكثر عنفٍ.

أما من جهة الترحيب الذي قدمه لهم البعض، فليس لك أن تغضب على أسقف المدينة، إذ لم تعطِ أية تعليمات عن هذا الأمر في خطابك، فإنه كان يحسب متهورًا أن يأخذ قرارًا في قضية لا يعرف عنها شيئًا.

إني أظن أنه لا يود أن يضايقك في شيء، ولا يجرؤ على ذلك(25).]

فرح البابا ثاوفيلس برسالة القديس جيروم، فعاد يبشره بأخبار الكنيسة، التي أرسلها مع الأسقف أغاثون والشماس أثناسيوس، يعلن له طرد الأوريجانيين من أديرة نتريا، ويشجعه على إظهار غيرته على الإيمان.

[هلم من جانبك أشترك في هذه المكافأة بمقالاتك الكتابية (الإنجيلية)، مسرعًا إلى رد المخدوعين.

شوقنا هو أن نحفظ في أيامنا هذه -ما استطعنا- إيمان الكنيسة الجامعة وأحكامها، بل ونحفظ الشعب الذي تحت رعايتنا، ونبدد كل تعليم غريب!(26)]

لقد افتخر أنه حصد الأوريجانيين بمنجل النبي(27)، فأرسل إليه جيروم يقول:

[جيروم، إلى الكلي الطوبى البابا ثاوفيلس.

لقد أفرحتني رسالتك فرحًا مزدوجًا، فمن جهة فرحت بحامليها المكرمين والمعتبرين الأسقف أغاثون والشماس أثناسيوس، ومن جهة أخرى إنها تظهر غيرتك على الإيمان ضد أشر هرطقة.

صوت قداستكم يدوي في العالم، وفرح كل كنائس المسيح قد أبكم ايعازات الشيطان المسمومة.

لم تعد الحيّة القديمة تنفث، بل قطعت إربًا، واختبأت في خباياها المظلمة، غير قادرة على احتمال إشراقات الشمس!

لقد قمت ببعث رسائل إلى الغرب فعلًا قبل أن أخط لك هذه الرسالة، وأشرت فيها لأبناء لغتي (اللاتينية) بعض مراوغات الهراطقة.

لقد حسبتها عناية من الله أن تكتب إلى البابا أنسطاسيوس(28) في نفس الوقت الذي كتبت فيه إليَّ، فإنه مع عدم معرفتي بذلك، تصير رسالتك هذه شهادة لي.

الآن إذ طلب مني أن أفعل ذلك (أكتب مقالات ضدهم)، فإني سأكون أكثر غيرة من الآخرين حتى أرد النفوس البسيطة، القريبة والبعيدة، وستجد المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت في أقسام المقالات والكتب الأخرى. إن احتاج الأمر فإني لا أتردد حتى إن صبوا غضبهم عليَّ، فإنه ينبغي أن أُسرّ الله لا للناس(29)، وإن كان بالحقيقة لهم الكثير يدافعون به عن هرطقتهم أكثر مما لي في الهجوم عليهم.

أيضًا أرجوك أن ترسل لي قوانين المجمع الخاص بهذا الموضوع إن كانت لديك، حتى استند بسلطان أسقف عظيم مثلك، فاتحًا فمي للمسيح بأكثر قوة وثقة!

منذ يومين وصل الكاهن Vincent من روما، وهو في تواضع يسلم عليك. لقد أخبرني مرة أخرى أن روما بل غالبًا إيطاليا كلها قد أنقذتها رسائلك بعد المسيح.

لهذا فلتجاهد أيها البابا المحبوب جدًا، الكلي الطوبى، وإذا ما أتيحت لك فرصة أكتب إلى أساقفة الغرب بغير تردد لكي تقطع بمنجلٍ حادٍ كل زوان الشر.]

هذه صورة للمكاتبات التي كانت بين البابا وجيروم. تكشف لنا عن ظروف دفعت البابا بالأكثر نحو هجوم الأوريجانيين، فقد ظهر البابا كبطل يدافع ضد هرطقة يدعوها جيروم أشر هرطقة، الحيّة القديمة، زوان الشر! وقد بقيت هذه الصداقة بينهما ترويها كراهيتهما للأوريجانية، فحتى بعد صلح البابا مع الأوريجانيين سنة 403م بالقسطنطينية بقيت رسائله الفصيحة تندد بالأوريجانية، ويقوم جيروم بترجمتها باللاتينية ونشرها في الغرب(30).

St-Takla.org Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

أثر رسالة ثاوفيلس في قبرص
أرسل البابا ثاوفيلس إلى القديس أبيفانيوس رسالة خاصة يحثه فيها على عقد مجمع بقبرص لإدانة الأوريجانية، ويرسل قراراته مع نسخة من رسالة ثاوفيلس المجمعية إلى القسطنطينية، حيث كان الأوريجانيون قد انطلقوا من أورشليم إلى القسطنطينية، يعرضون قضيتهم على القديس يوحنا الذهبي الفم.

وقد قام القديس جيروم بترجمة هذه الرسالة إلى اللاتينية، جاء فيها:

[ثاوفيلس، إلى السيد المحبوب جدًا، الأخ، والأسقف الشريك أبيفانيوس.

قال الرب لنبيِّه: "أنظر. قد وكلتك هذا اليوم على الشعوب وعلى الممالك لتقلع وتهدم... وتبني وتغرس" (إر 1: 10).

في كل عصر يمنح الله كنيسته ذات النعمة، لكي يحفظ جسده (أف 1: 23) كاملًا، لا يقوى عليه سم الأفكار الهرطوقية في أي موضع.

والآن ها نحن أيضًا نجد الكلمات تتحقق، لأن كنيسة المسيح التي "لا دنس فيها ولا غصن أو شيء من مثل ذلك" (أف 5: 27)، تقطع بسيف الإنجيل الحيات الأوريجانية الزاحفة من جحورها، وتنقذ جوقات رهبان نتريا المثمرين من وبائهم الميت.

لقد بعث إليك صورة مختصرة لتصرفاتي معهم في الرسالة العامة(31) التي وجهتها للجميع بغير تمييز.

ولما كنتم غبطتكم دائمي النضال في صراعات مثل التي أمامي، فإن واجبكم يُحتم عليكم اليوم أن تسندوا الأيدي العاملة في هذا الحقل، فتجمعوا أساقفة جزيرتكم (قبرص). جميعهم لهذا الهدف. كما يليق بكم أن تبعثوا رسالة مجمعية لي ولأسقف القسطنطينية وللأساقفة الآخرين الذين ترون أن ترسل لهم، لكي ما يدان أوريجينوس نفسه والهراطقة الشائنة التي أوجدها، لذلك بنضال جماعي.

لقد رقا إلى علمنا أن جماعة من المفترين ضد الإيمان الحق، يدعون أمونيوس ويوسابيوس وأفثيموس(32) مملوءين حماسًا زائدًا لحساب الهرطقة قد أبحروا إلى القسطنطينية لكي يلقوا بشباك خداعاتهم إلى جماعة من المهتدين حديثًا ما استطاعوا، وأن يتداولوا من جديد مع أصحاب قدامى في شرهم.

احرصوا على وضع الأمور بين يديّ الأساقفة في Isar وبمفيلية والإيبارشيات المجاورة.

علاوة على هذا، تستطيع أن تضم رسالتي (إلى قرار مجمعكم) إن رأيت ذلك، فتجمع الكل معًا بروحٍ واحدةٍ، وبقوة ربنا يسوع المسيح تسلم هؤلاء للشيطان لهلاك الشر الذي ملك عليهم (1 كو 5: 4-5).

ولكي تتأكد من سرعة وصول مراسلاتك إلى القسطنطينية ابعث رسولًا مجتهدًا، أحد الكهنة، يقدر أن يروي الأحداث.

أطلب إليك فوق الكل أن تقدم للرب صلوات حارة، حتى نستطيع أن ننتصر في هذا النضال، فإن قلوب الناس بالإسكندرية وفي كل بقاع مصر تفرح فرحًا ليس بقليل، من أجل استبعاد قلة من الناس عن الكنيسة، حتى يبقى جسدًا طاهرًا.

سلام للإخوة الذين معك.

الشعب الذي معنا يحبك في الرب(33).]

جمَع القديس أبيفانيوس مجمعًا في جزيرة قبرص، حيث اجتمع عدد كبير من الأساقفة، هاجم فيه القديس أعمال أوريجينوس(34). أرسل نسخة من قرارات المجمع إلى الأساقفة خاصة القديس يوحنا أسقف القسطنطينية، كما أرسل نسخة منها مع رسالة خاصة إلى القديس جيروم يطلب منه ترجمة القرارات إلى اللاتينية، ويبشره بنجاح المجمع، ويعتبر نفسه سعيدًا أن يقوم بهذا العمل المجيد في شيخوخته. لقد امتدح ثاوفيلس "الذي نكس لواء الأوريجانية من مذبح الإسكندرية"، وأنه ليجد "في شهادة هذا الأسقف العظيم تأييدًا لما لم يكف عن إعلانه(35)".

في بساطته الزائدة وغيرته سافر إلى القسطنطينية -وقد ناهز الخامسة والثمانين من عمره- ليفند الآراء الأوريجانية، ويقاوم "رهبان نتريا" الذين حملوا في رأيه الهرطقة الأوريجانية، ويقاومون البابا ثاوفيلس.

St-Takla.org Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

الإخوة الطوال في القسطنطينية
إذ كان البابا ثاوفيلس يلاحق الآباء الرهبان أينما حلوا، لم يجدوا لهم موضع راحة، فتركوا فلسطين، وخرجوا من بلدٍ إلى آخر، ويلتجئون من أسقفٍ إلى أسقفٍ، وأخيرًا اضطروا للسفر إلى القسطنطينية يلتقون بالبطريرك يوحنا الذهبي الفم في أوائل عام 402م.

مهما قال سقراط(36) فإن البطريرك لم يكن يجهل المشادة التي قامت بين الإخوة الطوال وثاوفيلس(37).

اتجه الآباء إلى دار الأسقفية حيث التقوا بالأب البطريرك الذي كان محبًا لرهبان مصر، يتغنى بالبرية في مصر كما بفردوس النعيم، ويتطلع إلى رهبانها أكثر بهاءً من كواكب السماء! لقد أحب المصريين، فقال عنهم إنهم يُغذون أجساد القسطنطينية بالقمح كما يغذون قلوبهم بالإيمان.

فتح قلبه للرهبان الذين كشفوا له عن جراحاتهم، يشكون له تصرفات البابا ثاوفيلس، طالبين إلا يخيب رجاءهم فيه، بل يضمد جراحهم، وإلاَّ اضطروا إلى الالتجاء للإمبراطور، الأمر الذي لا يليق بالكنيسة. توسلوا إليه أن يعمل على مصالحتهم مع البابا ويتدخل في إرجاعهم إلى مصر(38). وإذ كان البطريرك واثقًا أنه قادر على تهدئة غضب البابا عليهم أراح قلبهم وفتح لهم داره. والتف الكل حولهم يسمعون لهم ويتعزون بكلماتهم، وكانت الشماسات والأرامل والعذارى التقيات يقمن بخدمتهم، الأمر الذي جلب عليهم تعييرات البابا ثاوفيلس(39).

أرسل القديس يوحنا إلى بابا الإسكندرية يخبره بالأمر، طالبًا الصفح عنهم، مدافعًا عنهم وعن العلامة أوريجينوس، كما أرسل يخبره أن الرهبان قدموا شكوى ضده بالرغم من محاولته معهم على تهدئة خواطرهم، وأنه في موقف حرج لا يعرف كيف يتصرف(40).

ومن المؤلم أثارت رسالته غضب ثاوفيلس بدلًا من رضاه، وخاصة وأنه عرف أن البطريرك قد سمح لهم بالشركة في العبادة العامة، مع أن القديس يوحنا لم يسمح لهم بالشركة في الأسرار المقدسة حتى يأتي رد البابا. فأرسل إليه رسالة مملوءة جفاء وتعنيفًا. اتهمه بتحريض الرهبان للتمرد عليه، كما أعطاه درسًا لا يستحقه، بقوله: أنت تعلم بلا شك قوانين نيقية التي تحرم على الأساقفة أن ينظروا الدعاوي الخارجة عن حدود إيبارشياتهم. إن كنت تجهل ذلك، فاِعلمه الآن وامتنع عن استلام شكوى مكتوبة ضدي، وإن كان يجب أن أُحاكم، تكون محاكمتي أمام المصريين، ولا أن أحاكم أمامك، أنت الذي يفصلنا عنك طريق يستغرق خمسة وسبعين يومًا(41).

لقد تأثر البطريرك جدًا، لعله أشار لذلك في تفسيره للرسالة الثانية إلى أهل تسالونيكي، عندما تحدث عن يوسف كعبد في بيت فوطيفار المصري، إذ قال: [كان يقدم حساباته لمصري. وأنتم تعرفون أن هذا الجنس مندفع، يثأر لنفسه. إذا ما نال سلطة لا يمكن وقف غضبه(42).]

تعرف الرهبان على البلاط الملكي -غالبًا عن طريق القديس يوحنا الذي أحس بفشله في تهدئة ثاوفيلس- وقد أُعجب الكل بالآباء الرهبان خاصة الأب آمون، الذي قدم شكواه إلى الإمبراطورة. لقد قالت له "باركني. صلِ من أجل الإمبراطور ومن أجلي ومن أجل أولادي، ومن أجل الإمبراطورية. إني أجاهد بعقد مجمع لمحاكمة ثاوفيلس(43)". وألقى القبض على مبعوثي ثاوفيلس حيث أُلقوا في السجن.

صدر الأمر الإمبراطوري بدعوة البابا ثاوفيلس للحضور إلى القسطنطينية ليحاكم أمام مجمع كنسي يرأسه القديس يوحنا، الأمر الذي أثار نفس ثاوفيلس معتبرًا القديس يوحنا محرضًا للرهبان ضده أمام الإمبراطور.

أرسل ثاوفيلس إلى القديس أبيفانيوس يعجله بالسفر إلى القسطنطينية يهيئ له الجو قبل وصوله، وفعلًا قام القديس رغم شيخوخته إلى القسطنطينية.

St-Takla.org Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

القديس أبيفانيوس في القسطنطينية
استغل ثاوفيلس هذا القديس الذي تشهد كل الكنائس الرسولية بقداسته. بالرغم من شيخوخته لا يطيق أن يسمع عن هرطقة أو بدعة، قديمة أو حديثة. وقد رأينا كيف انضم إلى القديس جيروم يحاربان القديس يوحنا الأورشليمي وروفينوس من أجل كتابات أوريجينوس.

لقد اِعتبر أبيفانيوس أوريجينوس هرطوقيًا وحسب "الأوريجانية" هرطقة.

St-Takla.org Image: St John Chrysostom Exiled by Empress Eudoxia, by: Benjamin Jean Joseph Constant, French artist (1845-1902) صورة في موقع الأنبا تكلا: البطريرك يوحنا ذهبي الفم يتم نفيه عن طريق الامبراطورة أودوكسيا (أفدوكسيا)، لوحة للفنان بنيامين جان جوزيف كونستانت، فنان فرنسي (1845-1902)

St-Takla.org Image: St John Chrysostom Exiled by Empress Eudoxia, by: Benjamin Jean Joseph Constant, French artist (1845-1902)

صورة في موقع الأنبا تكلا: البطريرك يوحنا ذهبي الفم يتم نفيه عن طريق الامبراطورة أودوكسيا (أفدوكسيا)، لوحة للفنان بنيامين جان جوزيف كونستانت، فنان فرنسي (1845-1902)

على أي الأحوال، لا نستطيع أن ننكر في أبيفانيوس حسن نيته وغيرته، خاصة وقد ناهز الخامسة والثمانين من عمره، فحسبه شرفًا عظيمًا أن يتحمل المشاق ليخمد -في نظره- البدعة الأوريجانية ويقف جنبًا إلى جنب مع ثاوفيلس الذي يمثل في عينيه بطلًا يحارب من أجل استقامة الإيمان.

لقد جاء في بدء عام 403م متحاملًا على القديس يوحنا الذهبي الفم، لا لخلافات شخصية ولا لمطامع، لكنه في نظره "إنسانًا يحمي بدعة".

جاء القديس ليجد الموازين قد تغيرت في القسطنطينية، فقد انقلبت الإمبراطورة على القديس ولم تعد تطيقه. إذ بدأت الخصومة بينهما في صيف 402م.

يذكر لنا المؤرخ سقراط(44) بعض أعمال استفزازية قام بها القديس أبيفانيوس، فقد نزل بجوار كنيسة القديس يوحنا المعمدان(45)، فأرسل إليه القديس كهنته لينزل دار الأسقفية، أجابه أنه لن يقيم لديه ولا يصلي معه حتى يطرد ديسقورس وإخوته عن المدينة، ويوقع بيده على إدانة كتب أوريجينوس، فأرسل إليه يوحنا أنه لا يقدر أن يتصرف هكذا في غير تروِّ قبل عقد مجمع عام، لذلك نزل الأب أبيفانيوس في فندق.

جمع الأب الأساقفة الذين كانوا في العاصمة، وكان معروفًا بتقواه وهيبته، وقرأ عليهم قرارات المجمع التي تدين لأعمال أوريجينوس وطلب منهم التوقيع، فوقع البعض، وآخرون وقعوا خجلًا منه، لكن كثيرين رفضوا التوقيع منهم الأب ثيؤتيموس Theotimus of Scythia الذي قال: ["لا أقدر أن أسب إنسانًا أنهى حياته الورعة منذ وقت طويل يا أبيفانيوس، ولا أتجاسر أن اَرتكب كفرًا كهذا، أن أدين ما لم يدنه أسلافنا خاصة وأنا أعلم أنه ليس في كتب أوريجينوس تعاليم شريرة(46).] وتلا الأسقف ثيؤتيموس فقرات من كتب العلامة أوريجينوس ليكشف إنها تتفق مع تعليم الكنيسة وعقيدتها.

قيل أيضًا أنه تعمد رسامة شماس في كنيسة تتبع الأسقف يوحنا دون أن يستأذنه.

أخيرًا حرضه أعداء يوحنا أن يذهب إلى كنيسة الرسل حيث أعلن أمام الشعب حرمه لكتابات أوريجينوس وحرمه لديسقورس وإخوته، كما اِتهم القديس يوحنا بتشجيعه لهم. سمع البطريرك بذلك، فأرسل في اليوم التالي إليه رسولًا عند دخوله الكنيسة يقول له: "صنعت أمورًا كثيرة تخالف القوانين يا أبيفانيوس. أولًا قمت برسامة في كنائس خاضعة لي. بعد هذا -بغير استئذاني- أعطيت لنفسك سلطانًا للخدمة فيها. أضف إلى هذا إني دعوتك فرفضت الحضور، وها أنت تعطي نفسك هذه الحرية. اِحذر لئلاَّ تحدث ضدك ضجة بين الشعب، ويصيبك منهم ضرر".

إذ سمع الأسقف أبيفانيوس هذا التحذير ترك القسطنطينية ليعود إلى جزيرته. وقد روى سقراط قصة محزنة -هو نفسه لا يعلم مدى صحتها- لكنها إن دلت على شيء فإنما تدل على ضعفنا البشري، الذي قد يسقط فيه أي إنسان! قال سقراط أن الأسقف أبيفانيوس تضايقت نفسه من تحذير الأسقف يوحنا، وفي مرارة قلب قال له: [إنك لن تموت وأنت على كرسي أسقفيتك.] فأجابه الأسقف يوحنا في ضيقة نفسه أيضًا: [وأنت لا تظن أنك ترى وطنك.] يعلق سقراط بأنه مع عدم تحققه من صدق الرواية، فإن النبوتين قد تحققتا، إذ نُفي يوحنا بعد عزله من الأسقفية، كما لم يصل الأسقف أبيفانيوس وطنه بل مات في الطريق وهو على المركب.

ما أن اِنطلق الأسقف من القسطنطينية حتى سمع الأب البطريرك أن أفدوكسيا لعبت دورًا خفيًا في ثورة الأسقف أبيفانيوس ضده، فوقف على المنبر يتحدث عن الرذائل التي تسببها النساء. لقد أدرك العامة أن الحديث موجه كله ضد الإمبراطورة، فخرجوا يتحدثون عنها، وقام بعض الوشاة بتبليغ الأمر، وهى بدورها شكت لزوجها بأن كل ما يمسها، إنما يمسه هو أيضًا(47)، فانقلب ميزان القضية. لقد وجدت في حضور ثاوفيلس لمحاكمته الفرصة ليكون المتهم حاكمًا والقاضي متهمًا. إنها فرصة لا تجد مثلها فقد كان ثاوفيلس في الطريق -حين سمع بهذا النبأ- وكان قلبه ملتهبًا مرارة تجاه البطريرك يوحنا.

يخبرنا المؤرخ بالاديوس أن ثاوفيلس كان في الطريق حين بلغه نبأ طلبه لإقالة يوحنا كأمر أفدوكسيا(48) وزوجها.

 

 

الشيطان ووحدة الطوائف وتوحيد الأديان 

 

 

 

الإصلاج والفاسدين

 


 

 

 

 

This site was last updated 12/14/19